حادث طائرة «فلاي دبي».. ماذا حدث فعلًا؟ ومن يحاول توظيفه سياسياً؟

بقلم : يوحنا عزمي
هناك حوادث جوية تنتهي بمجرد هبوط الطائرة وفتح تحقيق فني لمعرفة أسبابها ، وهناك حوادث تتجاوز حدود الطيران لتتحول، بفعل توقيتها والظروف المحيطة بها، إلى قضية أمنية وسياسية شديدة الحساسية.
والواقعة التي أثيرت حول طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» كانت في طريقها من الإمارات إلى إسرائيل تندرج ، وفق الروايات المتداولة، ضمن النوع الثاني، ليس فقط بسبب خطورة ما حدث داخل قمرة القيادة ، وإنما بسبب طبيعة الركاب، ومسار الرحلة، والظروف السياسية والأمنية المحيطة بها.
بحسب الرواية المتداولة، تعرضت الطائرة خلال الرحلة لهبوط حاد ومفاجئ من ارتفاع شاهق، وسط اضطراب داخل قمرة القيادة، قبل أن يتمكن قائد الطائرة وأفراد آخرون من السيطرة على الموقف، لتضطر الطائرة في النهاية إلى الهبوط اضطرارياً في السعودية.
إذا تأكدت هذه التفاصيل رسمياً ، فإننا لا نكون أمام مجرد خلل تقني عابر ، بل أمام واقعة تستحق تحقيقاً متعدد المستويات : تحقيقاً فنياً لمعرفة ما جرى للطائرة، وتحقيقاً أمنياً لفهم ما حدث داخل قمرة القيادة، وتحقيقاً جنائياً لتحديد المسؤوليات والدوافع، خصوصاً إذا ثبت وجود محاولة متعمدة للسيطرة على الطائرة.
لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال «لماذا حدث؟» ثم إلى السؤال الأكثر حساسية: «هل كان ما حدث فعلًا نتيجة تصرف فردي ، أم أن هناك جهة أخرى حاولت استغلاله سياسياً؟».
هنا تحديداً يجب أن نكون أكثر حذراً.
حتى الآن، لا يمكن القفز من وجود حادث خطير إلى استنتاج أنه عملية مخابراتية أو مؤامرة سياسية. كما لا يمكن الجزم بأن إيران تقف وراء الواقعة ، أو أن الحكومة الإسرائيلية دبرتها ، أو أن جهة معارضة هي التي تقف خلفها ، ما لم تظهر أدلة استخباراتية أو جنائية مستقلة تثبت ذلك.
لكن توقيت الحادث يجعل من الطبيعي أن تُطرح أسئلة سياسية حول كيفية التعامل معه وتوظيفه.
ففي إسرائيل ، أي حادث يمس أمن المواطنين الإسرائيليين في الخارج يمكن أن يتحول سريعاً إلى قضية سياسية، خصوصاً عندما يأتي في بيئة انتخابية شديدة الاستقطاب. وهنا يصبح الفرق مهمًا بين الحادث نفسه وبين طريقة تقديم الحادث للرأي العام.
قد يكون الحادث فردياً بالفعل ، وقد يكون سببه اضطراب نفسي أو شخصي لدى أحد أفراد الطاقم، وقد يكون هناك تفسير آخر لم يظهر بعد. وفي هذه الحالة تنتهي القصة ، من حيث المسؤولية السياسية ، عند حدود الإخفاق الأمني أو الإجراء الفردي ، وليس بالضرورة عند وجود مؤامرة.
لكن في المقابل ، إذا ثبت أن شخصاً حاول بالفعل السيطرة على طائرة مدنية بهدف إسقاطها ، فإن السؤال الأمني سيصبح أكبر بكثير من هوية الشخص نفسه : كيف اجتاز إجراءات التأمين؟ وهل كانت هناك إشارات مسبقة؟ وهل كان سلوكه معروفاً للجهات المختصة؟ وهل توجد ثغرات في إجراءات تأمين الرحلات؟
وهذه الأسئلة أكثر أهمية من إطلاق الاتهامات السياسية.
أما الحديث عن استفادة طرف سياسي من الحادث، فهو ملف مختلف تمامًا.
في السياسة ، لا يعني استفادة جهة من حدث أنها بالضرورة صنعت الحدث.
هذه قاعدة أساسية في قراءة الأزمات.
قد تقع حادثة بصورة عفوية، ثم تأتي أطراف سياسية وتستخدمها لتعزيز خطابها، أو لتبرير إجراءات أمنية، أو لرفع مستوى المخاوف لدى الجمهور ، أو لتوجيه النقاش العام نحو قضية معينة.
وبالتالي، فإن السيناريو الأول الذي يمكن بحثه سياسياً هو سيناريو توظيف الأزمة: أي أن حادثاً حقيقياً وقع بالفعل، ثم جرى استثماره سياسياً في سياق داخلي متوتر.
وهذا يختلف جذرياً عن القول إن الحادث نفسه كان مدبراً.
أما السيناريو الثاني فهو أن تكون الواقعة قد استُخدمت من جانب خصوم الحكومة لإظهار وجود ثغرات أمنية ، والتساؤل عن قدرة المؤسسات الإسرائيلية على حماية مواطنيها حتى أثناء سفرهم إلى دول أخرى.
وهنا أيضاً يجب التمييز بين أمرين: وجود فشل أمني محتمل ووجود مؤامرة لإسقاط الحكومة. الأول يمكن إثباته من خلال التحقيقات ، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة مباشرة.
ويبقى السيناريو الثالث ، وهو الأبسط وربما الأكثر مباشرة من الناحية الجنائية: أن يكون ما حدث تصرفاً فردياً غير مرتبط بأي جهاز استخباراتي أو تنظيم سياسي.
وفي هذه الحالة ، فإن كل التحليلات التي تبحث عن «العقل المدبر» ستتحول إلى استنتاجات سابقة لأوانها.
وهناك نقطة أخرى شديدة الأهمية تتعلق بالسعودية.
إذا كانت الطائرة قد اضطرت بالفعل إلى الهبوط في الأراضي السعودية، فإن الواقعة تفرض تعقيدات دبلوماسية وأمنية إضافية بسبب حساسية العلاقة بين إسرائيل والسعودية، وبسبب طبيعة أي ترتيبات تتعلق بإجلاء الركاب أو التعامل مع الطائرة.
لكن حتى هنا ، ينبغي عدم تحويل الإجراء الطارئ إلى دليل على وجود «خطة لإحراج السعودية» قبل ظهور معلومات رسمية تثبت ذلك.
السياسة الدولية لا تُقرأ فقط من خلال السؤال: «من المستفيد؟»، وإنما من خلال مجموعة أكبر من الأسئلة:
من اتخذ القرار؟ .. ما المعلومات التي كانت متاحة له؟
ما الذي حدث قبل الواقعة؟ .. ما الذي حدث بعدها؟
ومن غير موقفه أو إجراءاته نتيجة الحادث؟
والأهم : هل توجد علاقة سببية حقيقية بين هذه الأحداث، أم أننا نحاول تركيب قصة سياسية من وقائع متزامنة فقط؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تقود التحقيق.
أما تحويل الحادث منذ اللحظة الأولى إلى «مؤامرة» أو «عملية استخباراتية» أو اتهام دولة بعينها، فهو يقفز فوق أهم مرحلة في أي تحليل محترف ، وهي مرحلة التحقق من الوقائع.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في مثل هذه الحوادث ليس فقط ما يحدث داخل الطائرة، وإنما ما يحدث بعدها في المجال السياسي والإعلامي.
فالحادث الأمني يمكن أن يتحول إلى ورقة انتخابية ، ويمكن أن يصبح ذريعة لإجراءات استثنائية ، ويمكن أن يستخدم لإعادة تشكيل صورة الخطر في وعي الجمهور ، كما يمكن أن يتحول في المقابل إلى دليل تستخدمه المعارضة لمهاجمة الحكومة.
لكن بين وقوع الحادث واستغلال الحادث وتدبير الحادث مسافات كبيرة لا يجوز اختصارها في رواية واحدة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الآن ليس فقط: «من المستفيد؟».
السؤال الأهم هو:
ماذا ستكشف التحقيقات عن حقيقة ما حدث داخل قمرة القيادة، وهل كانت الواقعة فعلًا حادثاً فردياً، أم أن هناك أدلة تثبت وجود تخطيط مسبق؟
الإجابة عن هذا السؤال وحدها هي التي يمكن أن تنقل القصة من مساحة التكهنات السياسية إلى مساحة الحقائق.



