أخبار

عندما تتحول التهديدات الروسية إلى رسائل ردع إستراتيجية .. هل تعود أوروبا إلى منطق الحرب الباردة؟

بقلم : يوحنا عزمي

هناك تصريحات سياسية وعسكرية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد عبارات عابرة أو رسائل للاستهلاك الإعلامي، خصوصاً عندما تصدر في سياق دولي شديد التوتر ، وتأتي من قوة نووية كبرى تمتلك قدرات عسكرية واستراتيجية قادرة على تغيير حسابات الخصوم.

ومن هنا ، فإن أي تهديد روسي مباشر أو غير مباشر يتعلق باستهداف مناطق في شرق أوروبا أو منطقة بحر البلطيق، يجب  أن يُقرأ داخل منظومة أوسع من الرسائل المتبادلة بين موسكو والعواصم الأوروبية وواشنطن ، وليس باعتباره مجرد تصريح منفصل.

هل تستطيع روسيا تنفيذ ما تهدد به؟

لماذا تطلق موسكو هذا النوع من التهديدات في هذا التوقيت تحديداً؟ وما الرسالة التي تريد إيصالها إلى أوروبا وحلف الناتو؟

من منظور العلاقات الدولية ، التهديد العسكري لا يعني بالضرورة أن قرار استخدام القوة قد اتُخذ بالفعل ، لكنه قد يكون جزءًا من استراتيجية ردع تهدف إلى دفع الطرف الآخر إلى إعادة حساباته قبل الانتقال إلى خطوات أكثر خطورة.

وهنا تحديداً تظهر أهمية التجربة الروسية مع أوكرانيا.

ففي ديسمبر 2021، طرحت موسكو مجموعة من المطالب والضمانات الأمنية المتعلقة بالبنية الأمنية الأوروبية، وفي مقدمتها مسألة توسع حلف الناتو، ونشر الأسلحة والقدرات العسكرية بالقرب من الحدود الروسية. وقد قوبلت هذه المطالب برفض غربي أو على الأقل لم تؤدي إلى التوافق الذي كانت موسكو تسعى إليه.

وبعد ذلك بأسابيع، بدأت روسيا في 24 فبراير 2022 عمليتها العسكرية واسعة النطاق في أوكرانيا.

وبغض النظر عن اختلاف الروايات الروسية والغربية حول أسباب الحرب ومسؤولية الأطراف المختلفة عن الوصول إليها، فإن الدرس الإستراتيجي الذي بقي حاضراً في الحسابات الأوروبية هو أن روسيا لم تكتفي بالتهديد السياسي عندما وصلت الأزمة إلى نقطة الانفجار، بل انتقلت إلى استخدام القوة العسكرية على نطاق واسع.

ولهذا السبب ، فإن أي تهديد روسي جديد لا يُقرأ في العواصم الأوروبية بالضرورة باعتباره مجرد “كلام”.

فالتجربة السابقة جعلت صناع القرار الأوروبيين أكثر حساسية تجاه اللغة العسكرية الروسية ، خصوصاً عندما ترتبط بالأسلحة الاستراتيجية أو بالمناطق المحاذية لروسيا.

لكن هناك جانباً آخر أكثر أهمية.

موسكو لا تتحدث إلى أوروبا فقط، وإنما تتحدث أيضاً إلى واشنطن.

فالرسالة الروسية المحتملة لا تتعلق فقط بقدرة روسيا على توجيه ضربة عسكرية ، وإنما بمحاولة التأكيد على أن الاعتماد الأوروبي الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لا يعني بالضرورة اختفاء المخاطر العسكرية عن القارة.

وهنا تصبح مسألة الردع هي جوهر المشهد.

فالردع في العلاقات الدولية لا يقوم فقط على استخدام القوة، وإنما يقوم في الأساس على إقناع الخصم بأن تكلفة التصعيد ستكون مرتفعة إلى درجة تجعله يعيد التفكير في قراره قبل الإقدام عليه.

وبالتالي، فإن التصريحات الروسية يمكن أن تُفهم باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل الحسابات الأمنية الأوروبية : إذا كانت بعض الدول الأوروبية تعتقد أن عضويتها في الناتو تجعلها بمنأى عن التهديدات العسكرية ، فإن موسكو تريد أن تقول إن أي مواجهة مباشرة مع روسيا ستكون لها تكلفة لا يمكن تجاهلها.

وهذا يقودنا إلى أخطر نقطة في المشهد الحالي:

عودة السلاح النووي إلى قلب الخطاب السياسي والعسكري الدولي.

فعندما تدخل الأسلحة النووية بصورة متكررة في خطاب الردع بين القوى الكبرى، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بإمكانية استخدامها، وإنما بعودة سباق تطوير الترسانات النووية ، وتحديث أنظمة الإطلاق ، وتطوير الصواريخ بعيدة المدى ، والغواصات النووية، وأنظمة الدفاع والهجوم الاستراتيجي.

والأخطر أن منظومة الحد من التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا أصبحت أكثر هشاشة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يرفع مستوى المخاطر الاستراتيجية ويزيد من أهمية أي اتفاقات مستقبلية تحد من انتشار الأسلحة النووية وتطويرها.

ومن هنا ، فإن أوروبا تواجه معادلة أمنية معقدة للغاية.

فمن ناحية، تعتمد غالبية الدول الأوروبية على المظلة الأمنية لحلف الناتو والقدرات العسكرية الأمريكية.

ومن ناحية أخرى، أصبحت أوروبا نفسها أكثر انخراطاً في الصراع الجيوسياسي مع روسيا، سواء من خلال الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا أو من خلال العقوبات الاقتصادية أو تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.

وهكذا تتحول القارة الأوروبية تدريجياً إلى إحدى أهم ساحات اختبار التوازن بين روسيا والولايات المتحدة.

المشكلة إذن ليست في تصريح واحد ، ولا في تهديد واحد، وإنما في المسار الذي يمكن أن تؤدي إليه سلسلة متراكمة من التهديدات والتهديدات المضادة ، والتحركات العسكرية والتحركات المضادة لها.

ففي الأزمات الكبرى ، لا يبدأ التصعيد دائماً بقرار معلن للحرب.

أحياناً يبدأ بتصريح.

ثم يأتي رد.

ثم تحرك عسكري محدود.

ثم تحرك مضاد.

ثم ترتفع درجة الاستنفار.

وفي مرحلة معينة، يمكن أن يجد الطرفان نفسيهما داخل أزمة أكبر بكثير مما كانا يريدانه في البداية.

وهنا تكمن خطورة اللحظة الدولية الراهنة.

العالم لا يواجه فقط صراعاً روسياً غربياً حول أوكرانيا، وإنما يواجه إعادة تشكيل أوسع للنظام الأمني الدولي، تتداخل فيها الحسابات الروسية والأمريكية والأوروبية، إلى جانب صعود قوى دولية أخرى تسعى إلى توسيع نفوذها.

ولذلك فإن التعامل مع هذه التطورات بمنطق “بوتين يهدد وخلاص” قد يكون تبسيطاً شديداً لمشهد أكثر تعقيداً.

وفي المقابل، فإن التعامل مع كل تهديد روسي باعتباره مقدمة مؤكدة لحرب شاملة قد يكون هو الآخر قراءة غير دقيقة.

المطلوب هو قراءة ما بين السطور:

ماذا تريد موسكو أن يصدق خصومها؟

وما الذي تريد منهم أن يخشوه؟

وما التنازلات التي تريد انتزاعها من خلال الردع؟

وإلى أي مدى تستطيع أوروبا الاعتماد على المظلة الأمريكية في ظل تغير أولويات واشنطن؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تشغلنا.

ففي السياسة الدولية، ليست كل التهديدات مقدمة لحرب، لكن بعض التهديدات تكون في حد ذاتها جزءًا من الحرب على الإرادة والقرار والحسابات.

والخطر الأكبر يبدأ عندما تفشل الدبلوماسية في تحويل الردع إلى تفاوض ، ويتحول الردع بدلًا من ذلك إلى سباق تسلح ، ويتحول سباق التسلح إلى استعداد دائم للمواجهة.

من يريد الحرب؟

من يستطيع أن يوقف الانزلاق إليها قبل أن تتجاوز الأحداث قدرة الجميع على السيطرة؟

وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة التي يمر بها النظام الدولي اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى