ابداعات

ما محبة إلا بعد عداوة

أحمد المقدم

“أنا روبرت دي بروس أمتطي فرسي لأقسم بالولاء للملك واحترام جيشه ولكي أقبل موافقته على تولّّيّ العرش، ولكنى طلبي منهم كان أن ينزفوا دماءهم معي كما نزفوها مع ويليام والاس، وفي عام 1314، قام مواطنون من أسكتلندا رغم جوعهم وقلة عددهم بشن هجوم على حقول بانوكبرن، وحاربوا مثل الشعراء المحاربين، حاربوا مثل الأستكلنديين، وقد نالوا حريتهم”

كان هذا هو المشهد الختامي للفيلم الإعجازي ورائعة الممثل الأيقوني ميل جيبسون،” القلب الشجاع Braveheart “(1995)، والذي قام بأخراجه وإنتاجه والقيام بدور البطولة وتجسيد شخصية المناضل الاسكتلندى، ويليام والاس وقد شاركه في التمثيل الحسناء الفرنسية صوفي مارسو و الممثل القدير برندن جليسون.

تدور أحداث الفيلم حول أحد أهم صراعات العصور الوسطى بين إمبريالية إنجلترا وحلم الحرية لدى الأسكتلنديين تحت قيادة المناضل ويليام والاس والذي فقد زوجته بعد أن قتلها ممثل الحاكم الإنجليزي في عهد الملك إدوارد طويل الساقين. وتنتهي قصة الفيلم عند إعدام ويليام والاس والتمثيل والتنكيل بجثته وتوزيعها على الأركان الأربة للملكة الإنجليزية ووضع رأسه على رمح في لندن كي يكون عبرة. إلا أن ذلك لم يثنى روبرت دي بروس عن استكمال النضال والقتال تحت شعار الحرية مناديا باسم والاس كأيقونة تحفيز للإسكتلنديين البسطاء ضد جحافل الإنجليز. فقد مات إدوارد وخلفه ملك قد جاء من أجل أن يقسم روبرت دي بروس على الولاء له حتى يصير ملكا على القطاع الاسكتلندى وحاكما لإدنبرة قبل أن يفاجأه بقرار الحرب واشهار سيف والاس ليتحول ميدان الولاء للشعار الملكي الإنجليزي إلى ميدان حرب جديدة، حرب من أجل الحرية وكسر الهيمنة الإنجليزية.

لا يذكر التاريخ كثيرا حول ويليام والاس ولكن قصة نضاله قد ثبتت في تاريخ العصور الوسطى. ولكنه قد كان شرارة الحرية لشعب كان أغلبه من المزارعين الذين وقعوا ضحية لألاعيب إقطاعييهم المتواطئين مع المستعمر الإنجليزي. ولكن والاس ودي بروس كانوا لهم بالمرصاد.

كان والاس هو الشرارة الأولى لسلسلة من الحروب والثورات التى دارت رحاها بين إنجلترا وأسكتلندا لتظل لمدة ثلاثة قرون كاملة. فقد كانت البداية عام 1294 عندما هزم والاس جيش إدوارد طويل الساقين الذي كان يعرف بمطرقة الإسكتلنديين في موقعة ستيرلينج بريدج. ثم سار على منواله روبرت دي بروس والذي هزم جيش انجلترا في موقعة بانوكبرن 1314 حتى رضخت انجلترا لعند الاسكتلنديين ووقعت على معاهدة حريتهم عام 1328 .

وبعد وفاة دي بروس حاول الإنجليز استمالة الاسكتلنديين من خلال تولية ملك موال لهم فاندلعت حرب ظلت لمدة 25 سنة كاملة انتهت أيضا بهزيمة الإنجليز. وقد ظلت الحروب تتوالى في صورة مناوشات حدودية بين البلدين حتى القرن السادس عشر عندما
قُتل ملك اسكتلندا في موقعة فلودين سنة 1516

ولم تنتهِ الحرب بين البلدين بمعاهدة سلام واحد، ولكنها انتهت في العام 1707 عندما قام البلدان بتوقيع معاهدة الوحدة The Act of Union لكي يصبح البلدان مملكةً واحدة والتي ضمت آنفا مملكة الغال (ويلز) وآيرلندا الشمالية قبل أن يأتي صراع الامبراطوريات وتتحول بريطانيا بعد ذلك إلى بريطانيا العظمى اكبر امبراطوريات التاريخ والتى لم تغب عنها الشمس. فقد امتدت من نيوديلهي وهونج كونج في الشرق وحتى لندن في الغرب.

تحمل العلاقة بين اسكتلندا وانجلترا بعض التفاصيل الغريبة التى كانت دائما تطرح تساؤلات داخل ذهنى كلما رأيت رائعة القلب الشجاع. فقد درست تداعيات معاهدة الوحدة بعد أن رأيت الفيلم مرارا وتكرارا في تاربخ الأدب الإنجليزي إبان عصر التنوير وظهور فلاسفة التنوير وعصر النهضة مثل رينيه ديكارت والسير فرانسيس بيكون والسير إيزاك نيوتن. وكنت دائما أقف أمام الجملة الأخيرة في الفيلم (حتى نالوا حريتهم) وأحاول مقارنة وضع اسكتلندا بأوضاع الأمم التي استقلت عن إنجلترا، وليست بريطانيا، في القرنين التاسع عشر والعشرين، فقد ألغيت السيادة الإنجليزية على سائر تلك الدول. أما اسكتلندا فقد ظلت قطرا من أقطار مملكة بريطانيا لتكون تابعة للتاج الانجليزي القابع في قصر باكنجهام.

تولت إليزابيث الثانية الحكم عام 1952 بعد وفاة أبيها الملك جورج السادس، وقصة زواجها تحكي فصلا مثيرا في العلاقة بين اسكتلندا وانجلترا. فقد تزوجت أليزابيث من الأمير فيليب. و كان الأمير فيليب يونانيا دانيماركيا أرثوذوكسيا بينما كانت إليزابيث بروتستانتية إنجليكيانية وكانت تنتمي إلى الكنيسة الرائدة في إنجلترا. ولم يكن يسمح القانون سوى بعقيدة واحدة للعائلة المالكة وهي البروتسنتانتية. وقد كان على فيليب أن يتخلى عن جميع ألقابه اليونانية والدانيماركية حتى ينتمى إلى العائلة الحاكمة في بريطانيا، وهو الأمر الذي قرر فعله سريعا بضعة أشهر قبل أن يتم زفافه على الأميرة إليزابيث عام 1947، خمس سنوات قبل أن تصير إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا بعد أن توفي الملك جورج السادس فجأة وقد كانت عندئذ في رحلة في كينيا الأفريقية. وقد تم تعميد فيليب في كنيسة ويستمنستر، وبعد الزواج، أصبح فيليب دوقا لإدنبرة ليكون حاكما رسميا لإمارة اسكتلندا.

منذ أن انضمت اسكتلندا لانجلترا في مملكة ضمت أربع امارات بعد ذلك مثيرا وغريبا. فلم تشهد أوروبا مثلما شهدت من صراعاتهما الدامية التي راح ضحيتها الكثير من الاسكتلنديين أمام أشاوس الانجليز من ملوك لم يكن لهم هدف سوى الاستيلاء على اسكتلندا، ومنذ توقيع التحالف، ظلت اسكتلندا قطرا وديعا من أقطار بريطانيا يحب التاج وينتمي له. فكانت الحرية لدى الاسكتلنديين هي التى يستمدونها من مبدأ المواطنة والوحدة مع الانجليز.

وهناك فصل آخر من الغرابة يحكيه ما حدث في العقد الماضي. فقد شهد عام 2014 حادثة هي الأولى في تاريخ ارتباط البلدين ببعضهما. فقد طرح مشروع استفتاء الاستقلال (Independence Referendum) لأول مرة في التاريخ مع تحقيق نسبة عالية من المصوتين قد بلغت 84.6٪ وقد أدلى 55.3٪ برفضهم الاستقلال بينما بلغت نسبة من قد صوتوا بالموافقة
44.7٪ فقط.
وفي سياق متصل يحاول بعض الانفصاليين القيام بمشروع استفتاء آخر للاستقلال IndyRef2 وهو مالم توافق عليه الحكومة.

تحمل العلاقة بين اسكتلندا وانجلترا علاقة حميمية ولكنها تحمل في جذورها كراهية امتدت لقرون طويلةقد رويت بدماء المحاربين الاسكتلنديين الذين قد رفضوا الشعار الملكي سنوات حتى أصبحوا الآن يرو أنفسهم جزءا لا ينفصل عن النسيج العام للمجتمع البريطاني الذي يتحد فيه الاسكتلندى مع الانجليزي والويلزى والايرلندي. ورغم أن الاسكتلنديين قد نجحوا في عام 1997 بالتوصل إلى انشاء برلمان اسكتلندى خاص، إلا أن غالبية الشعب الاسكتلندى ذاته هو ما يرى أن الاستقلال لم يكن أبدا خيارا مطروحا على طاولة الحديث. ويعد ذلك النموذج من العلاقة بين البلدين دليلا حيا على حقيقة واحدة، ما محبة إلا بعد عداوة!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى