
لم تكن تلك المرة الأولى التي أرى فيها تلك الغربة في المقاعد والقهوة ورائحة الجو، وحتى عطري المفضل. أظن في كل مرة أنني قد بنيت سورًا منيعًا من تلك الخيبات، حائطًا قويًا لا يمكن لشخص ما أن يخذلني من خلفه.
ولكن مع مرور الوقت، ستدرك أن للبشر حيلًا لا يمكن أن تنتهي في كسر قواعد الأشياء، حتى سوري المنيع لم يحظَ بفرصة النجاة تلك منهم، رغم أنني بنيته بالكثير من الخسارة والغربة والسقوط والنهوض والنحيب لليالٍ طويلة.
ظننت أن روحي لن تبقى بعدها في جسدي من جديد، ولكن كانت النهاية نسخة طبق الأصل من سوء النهايات السابقة.
تُرك قلبي من جديد معلّقًا هناك، بين فوز وخسارة، وحرب وسِلم، وانتقام وسماح بالرحيل، ورغبة عارمة تشبه رغبة الأطفال في الحصول على كل شيء في اللحظة نفسها.
هكذا أنا؛ تمنيت لو أن للمرء فرصة واحدة فقط في أن يحصل على كل ما يشعر به ويريده دفعة واحدة، دون انتظار جديد، ومحاولات مستميتة، وتوقّع للخسارة أو حتى الفوز.
والأكثر سوءًا من كل ذلك أن تنتظر أن يختارك شخص ما من بين ذلك الزحام، أو يقرر إفلات يدك للأبد.
حرب تبدو خاسرة من اللحظة الأولى، فالرهان على وفاء البشر أمر نابع من سذاجة البشر. فإن نظرت حولك، ستعرف أن لا سلام في ساحة تلك الدنيا، فكيف للبشر أن يكتسبوا سلوكيات السلام على أرض كانت بذرتها من دماء البشر، وإفشاء الأسرار، والتلذذ بالرذيلة، وقتل الإخوة، وخيانة الأصدقاء، وانتزاع الطفولة دون رحمة؟
فإن كنت تبحث عن السلام، فلا تبحث عنه في أرض مسروقة؛ فالجميع هنا غير شرعيين، وأنت وحدك من ترغب في أن تعيش في المدينة الفاضلة.
لا أقصد هنا أن أريكم الجانب الأكثر شرًّا من ذلك العالم، ولكن من الممكن أن أقيكم شر التجربة.
جميعنا خُلقنا في كَبَد، ليس ظلمًا لنا، ولكن حيلة لنتذكر بها أن الشر محتمل، وأن الظلم يسرق كل ليلة جزءًا منك، وأن لا مكان للحب الأبدي إن كان كرةً يلعب بها الجميع، وأن الإمساك بمبادئ الفضيلة بين كل ذلك الهراء أصبح وكأنه جمرة مشتعلة ستحرقك أكثر وأكثر كلما رفضت ما حولها.
الحرب في هذا العالم هي لعنة خلقها البشر بأيديهم.
فكيف لشخص أن يهزم مليار شخص صدّق أن السلام خدعة، وأن الحب الشريف محرّم، وأن الطمأنينة حيلة الضعفاء، وأن الحق حرفة نأخذها بأيدينا، وأن من حق كل شخص أن يأخذ كل ما يريده من حلق أخيه، حتى وإن كلّفه ذلك الموت الحتمي؟
لا عزاء في الشر، ولا حتى في السِّلم. فالعزاء الوحيد هنا لقلوبنا المنتزعة رغمًا عنها وقهرًا عنا. نحن هنا ببقايا السِّلم والحب والسلام والطمأنينة، نلهث آخر أنفاس الحرية، وندفن خوفًا كل ما نملكه من إرث المبادئ في صناديق سوداء، حتى لا ننسى إن أُجبرنا على النسيان.



