
أنا لا أبالغ في الحضور، كما هو الصيف، ولا أعتذر عن حضوري، كما يفعل الشتاء،
ولا أنزع عني جلدتي، كما يصنع الخريف بأوراقه، ولا أتلون بمساحيق الزمن، كما تفعل السماء يوم عُرسها.
فأنا لا أشبه عتمة الليل، كما لا أشبه ضوء النهار، ولكني عالم لم يبن بعد، ومدن لم تُسكن، وأحرف لا تُقرأ، ورواية سافرت أحداثها إلى زمن ليس بتقويم.
قد أكون بدايات أشياء، وربما لا أكون نهاية لأي منها، فصفحات حياتي كأوراق خريف هشة، فكم أقف على حافة نفسي، أنتظر موسم حصاد، لا يأتي.
ربما تجدني في نكهة ربيع يفتقر إلى حنان رياحه، أو في رسائل ليل دامعة الأعين، أو أروقة سحاب تبيت معلقةً كدعاء عالق بين السماء والأرض، أو في مفكرة قديمة، كقدم جرح غائر لا يُشفى، ملقاة بدرج الحياة.
أو في توقيع الغيوم على صفحة مبللة بهمسات المطر، أوفي مدن الأمل المسافرة، ولافتات الطريق الحائرة، وصوت المارة، وحكايات النجوم، في عطر زهرة، وشوك غصن.
وفي ندى الصباح، وذلك الضوء الخافت، المسافر عبر راحلة الزمان، أو في صرير قلم يتوه بين شهيق وزفير، أضناه الترحال.
وربما كنت أحرفًا تتأرجح بين حديث صمت، ولقاء وداع، وضحكات مخبأة في جيوب الشتاء، مبللة بقطرات وجع، كرغيف أمل في يد طفل جائع.
وصلوات ريح بين يدي السماء، تطلب صفحًا، فأنا كالشمعة تبيت تنتقم من روحها، فتحرق جسدها كل ليلة، بأحرف من نار، الجميع يلتف حول ضوئها، ولا يبالي بألمها، حين يسفك دمعها الفتيل.



