طرف خيط… الجزء الأول

بقلم – جلال الدين محمد:-
عن قصة حقيقية
المشهد الأول
رعشة خفيفة سرت في كل كيانها بينما تُقدم خطوة وتُؤخر الأخرى، كانت تحاول الاختباء في حضن صغيرها الذي لم يتجاوز عمره بضعة أشعر. تحمله على يد، وفي الأخرى حقيبة صغيرة. بذلت مجهودًا كبيرًا لتتظاهر بالثبات، هكذا تقدمت نحو مكتب حجز التذاكر في موقف الحافلات. دفعت ثمن التذكرة، سألت عن مكان الحافلة، تلقت ملاحظة الموظف بجدية أن الحافلة سوف تُتحرك بعد عشر دقائق، وأنها محظوظة لحصولها على هذه التذكرة الأخيرة للصعود على متنها.
المقعد فردي. إذن لن يجلس أحد بجانبها، جلست والصغير على حجرها، وفي ظلام الحافلة التي تتقدم على الطريق بعد منتصف الليل قاطعة المسافة من صعيد مصر نحو عاصمتها “القاهرة”، تسربت العبرات من عينها ثم وجهت رأسها إلى السماء التي لم يظهر منها سوى ضوء خافت من القمر في ليل مُظلم، وقالت بصوت غير مسموع مخاطبه خالقها “أفعل ذلك لأجل ولدي يارب. سامحني”.
المشهد الثاني
تراصلت العشرات من أعقاب السجائر المحروقة بعضها فوق بعضها في المطفأة. هو مدخن غير شره، ولكنه الليلة احتاج إلى ما يُعينه على عدم النوم، فسحب الواحدة منها تلو الأخرى، مع الكثير من القهوة بالطبع. حدق في شاشة حاسوبه المحمول لأربع ساعات متواصلة، بينما يقوم بمراجعة المعلومات التي وصلته عن المأمورية التي عليه إنجازها صباح اليوم التالي.
يعلم جيدًا أن الشيطان يكمن في التفاصيل ففضل مراجعة كل شيء بداية من المعلومات الأولية، حتى الخطة المُتفق عليها، حتى يعود زميله النقيب “علاء” من مأمورية أخرى، ثم يراجعا معًا مرة أخرى وينطلقا.
لم يُسمع في المكتب سوى صوت القداحة حين يُقرر إشعال سيجارة جديدة، ودقات الساعة التي تبعث على التوتر، والفراش وهو يقول “قهوتك يا باشا”.
أخيرًا وصل النقيب “علاء”، كان يبدو عليه التعب ولكنه حيا زميله وجلس مُنتظرًا قهوته، قبل أن يقطعهما صوت رنين الهاتف.
نقيب “كمال” صباح الخير، مأمورية الصباح التي كنت سوف تنطلق فيها مع النقيب “علاء” قد أُلغيت. الآن لدى مهمة أخرى لك، وصلتنا معلومة مؤكدة أن هناك امرأة تحمل كمية من المواد المخدرة، صعدت بها على متن حافلة في الطريق إلى القاهرة. هي شابة، ومعها ولدها الرضيع. لا يوجد لدى اسم ولا مواصفات، أريد منك أن تُحاول إيقافها. يُمكنك الاستعانة بالنقيب “علاء” معك في هذا الأمر.
تمام يا فندم. هكذا أجاب النقيب “كمال” على الأمر الجديد.
المشهد الثالث
على أي حال كنت أعلم أنه لا نوم ولا راحة لهذا اليوم، فلما لا. هكذا استجاب النقيب “علاء” لطلب زميله “كمال” والذي كان صديقًا عزيزًا له أيضًا. فانطلق معه في مطاردة المجهول. الملابس المدنية وسيارة لا تُثير الشبهات واثنين من المخبرين، ترسانة جيدة لهذه الرحلة التي جاءت من العدم.
حين تصل إلى العميد “زكريا” مثل هذه المعلومات فهي مؤكدة بلا أدنى شك، الرجل له ما يفوق الخمسة عشرة سنة من الخبرة في مكافحة المخدرات ولم يسبق أن ارتكب أي خطأ. ولكن من أين نبدأ؟ وهل يُمكن اللحاق بمن انطلقت قبلنا بساعتين؟ وماذا لو أوقفنا حافلة أخرى غير المقصودة؟ وماذا لو اشتبهنا في امرأة غير من نريدها؟ تساؤلات كثيرة دارت في ذهن الشرطيين، حتى ركن “كمال” فجأة السيارة على جانب الطريق.
– “علاء” علينا أن نُفكر بطريقة مختلفة إذا أردنا حل هذه المُعضلة، الحافلة انطلقت منذ ساعتين، أي في الواحدة والنصف صباحًا. هل توجد حافلة أخرى تنطلق نحو القاهرة من موقف الحافلات في هذا التوقيت؟
– لا يا “كمال” أجريت اتصالًا هاتفيًا قبل أن نتحرك هي حافلة واحدة تتبع شركة “النجمة”، ولن تنطلق حافلة أخرى إلى القاهرة سوى في السادسة والنصف.
– علينا أن نراجع سويًا المسار إذن.
– إذا سمحت لي سيادة النقيب. قاطع حديثهما أحد المخبرين ويُدعى “شوقي”. أشار له كلاهما بالحديث، فقال: تذكرت أني سافرت بهذه الحافلة إلى القاهرة مرة من قبل، سوف ينطلق السائق لمدة ساعتين، ثم يدخل إلى استراحة لمدة نصف ساعة حتى يؤدي الناس صلاة الفجر، وبعدها ينطلق مرة أخرى بلا توقف، أذكر أنه مر عبر طريق الفيوم عقب خروجه من الاستراحة.
– إذن علينا أن نقطع عليه الطريق عند مدخل طريق الفيوم يا “علاء”، وبدون أي كلمة انطلقت السيارة كالرصاصة على الطريق يطاردون المجهول بأمل لا يتجاوز الـ1%، ولكن لما لا؟ من يدري؟



