
في الأغنية التى غناها آدم ليڤين وهو أشهر مغني فرقة مارون فايڤ الأمريكي والتي تحمل عنوان “ذكريات Memories” تحدث عن كيفية مقاومة الأذى الواقع من الآخرين فقال:
الجميع يؤذي أحيانا
الجميع يؤذي يوما ما
ولكن الأمور سوف تصير على مايرام
فارفع الكأس وقل حسنا
تحمل الأغنية رسالة مبطنة حول كيفية مقاومة أذى الآخرين والتي تحمل في طياتها مزيجا من التفاعل الرواقي والوجودي.
للمقاومة وجوه كثيرة في جميع التوجهات الفكرية ولكننا بصدد الحديث عن المقاومة من واجهة فلسفية في عقول الرواقيين والوجوديين.
تحمل الرواقية فكرة المقاومة من خلال حب القدر Amor Fati فكل ما يأتي به القدر يصب في مصلحتنا حتى ذلك الأذى الواقع من الآخرين ومن القدر ذاته فذلك فرصة لنا كي نتمكن من أن نفهم أنفسنا وندرك مدى قوتنا على التجاوز.
في الرواقية يظل العائق هو الطريق. إن العائق المادي أو المعنوي والتي قد تتنوع أشكاله وإشكالاته بين أذى نفسي أو جسدي أو خلافه هو منحة من القدر كي نرى هالة النور داخل أنفسنا. فالقدر لن يمهلك أن تحيا دور الضحية للظروف أو التهميش. عليك أن تمهد لنفسك طريقا داخل نفسك مؤمنا بأن الفرصة سوف تأتى حتما كي تجد النور المطلق عند أفق الوصول الرحب.
إن كنت تحمل في داخلك قوة الرواقيين، فإنك سوف تعرف أنك لن تتجنب الحزن ولن تتجنب الأذى، فأنت لا تملك تغيير القدر الذي يسوق إليك الندوب. ولكنك تملك خيار المجابهة والمقاومة والتجاوز دون أن تكون ضحية يستسلم لسطوة الجاني. إنك دوما تملك خيار الوعي والنضوج. إنك تملك خيار البحث في سراديب الظلام عن هالة النور. إن ما يراه الضعيف نورا هو نقطة ضعف الظالم الذي لا ينفك يجهلها معصوب العينين بعد أن استسلم لسيطرة الأنا عليه.
يقول سينيكا، “إن الشكوى تجلب مصيبة فوق المصيبة” ربما قد نظر إلى آدم ليڤين رافعين كأسيهما نخب المقاومة وعدم الاستسلام لأذى الآخرين. فيسير من يراهما مؤمنا بأنه ليس ضحية لجانٍ، بل أنه ممنون لقدر منحه فرصة كي يغوص في أعماقه حتى يصل إلى نبع قوته، ومن ثم يأتي التمكين الذي هو سفينته الصامدة التي سترسو بين عشية وضحاها، يوما ما، حيثما كان لابد لها أن ترسو.
إن ما كان يرمي إليه سينيكا هو ما رآه الرواقيون الواجب. أن تفعل ما ينبغي فعله دون أن تضع نفسك موضع الفاعل و المسؤول عن النتيجة. أي أن الفعل لك والنتيجة للقدر ذاته الذي جلب لك العناء ليقذفك نحو هاوية داخلك كى تستكشف عالمك الخاص، مهمة قد تضاهي مهمة ليونايديس الإسبرطي و جنوده الثلاثمائة في مواجهة كتائب الفرس.
هناك مُسلّمة يجب ألا تفارق عقل من قرر أن يقاوم الأذى الواقع من المجتمع المحيط قد صاغها الرواقي العظيم ماركوس أوريليوس في رسالة يومية يحملها القدر إلى من يهمه الأمر تقول: “اليوم سأقابل بعض الحمقى والحاقدين، هذا أمر طبيعي”
يقع الإنسان ضحية نفسه عندما يفنى بعض عمره ساعيا نحو الكمال. إن أكثر من قد يأذي أو يُؤذَى هو ذلك الساذج الذي يظن نفسه منزها عن الأذى. إن أأمن الناس هو من يقاوم نفسه كي لا يقع فريسة لأناه فيغرس مخالب الأذى في الآخر أو أن يقاوم الألم الذي قد يسببه الآخر بغرس مخالبه في نفسه الجريحة.
إننا نأتي إلى عالم لا نملك فيه رفاهية الاختيار سوى عندما تحط رحالنا في نطاق الوعي. إنه الوعي الذي يأخذنا إلى آفاق المطلق. وعندها تعانقنا وجودية سارتر التى تمنحنا الحرية ومن ثم المسؤولية تجاهها… تجاه النفس في عالم لا يخلو من الآخر.
أما عن جان بول سارتر، الوجودي المناضل، ربما استظل تحت مظلة سينيكا عندما أخبرنا أن الوجود يسبق الماهية. فنحن نأتى إلى الحياة فنجد الوجود لا نملك تغييره، أي أننا لا نملك التحكم في فعل الآخر، في منع مجلبته التي قد تحمل في طياتها الأذى، وذلك من أفعال القدر ذاته. ولكننا نملك ماهيتنا نشكلها حسب ما تمنحنا إياه حريتنا. وما يشكل ماهيتنا هو المقاومة وتشكيلها وفق ما يجعل النفس في منأى عن فعل الآخر.
إننا نملك رد الفعل والذي تكون فيه النفس قادرة على الدفاع الأنسب للبقاء في نطاق الأمان. إننا من يجعل الآخر جانيا عندما نقرر أن نكون الضحية في باطن عقولنا. وإننا أيضا من يجعل الجاني خاسرا عندما نقرر مصيرنا دون الانسياق وراء انهزامية تجعلنا نعيش في دائرة مفرغة حتى ندرك أن الاختيار كان لدينا من البداية دون أن نراه. إننا نملك خيار أن نتمرد، أن نقاوم، وأن نتحرر من قيود تجعلنا نقضي زمنا نحاول فيه تحليل افعال الآخر كي نقاومه فقط باللوم و الاستنكار. وعندئذ تذهب النفس في طي الإهمال.
إننا ما نجعل أنفسنا وليس ما جئنا إلى الوجود به. فإذا أراد الآخر تشكيلنا وفق ما يكون عطفا على هيمنته التى منحها له المجتمع، مثل أب يؤذي أولاده بالاختيار لهم دون منحهم حرية الاختيار، أو مثل رئيس في العمل يفضل الأقدمية على الجودة، فلنا حق القاومة ورفاهية التمرد. فليس هناك ضحية لجاني. فالإنسان ضحية لنفسه التي ألقته في غياهب المظلومية.
إننا نعيش ثوابت الوجود لا يمكننا تغييرها. فهناك زمن يجلب لنا قدر يجلب لنا آخر ليس مثاليا ويمكنه بحال أن يؤذي النفس. أما الزمن فهو يوم سوف يمر لا محالة. وأما القدر فله وجهان أحدهما الخير والآخر الشر، والآخر هو ما أوجده الوجود ليس بالضرورة أن يأبه بحريتنا التي نملكها نحن ونؤمن بها نحن. وسوف ندور في فلك أيامنا بما نختار نحن، إما أن نحيا وراء مظلومية الضحية التي منحنا لذتها لأنا الآخر الذي قد يؤذينا، أو أن نحيا رواقية سينيكا الذي ينبهنا بكنه ذاتنا، أو سارتر الذي يمنحنا حرية تقرير حقيقتنا واكتشاف مواطن قوتنا.
وقد لا نضطر أصلا أن نتوشح سيفا وأن نتدرع درعا وكأننا في معركة من أجل البقاء. ليس هناك ضيرٌ من أن نأخذ من عبثية سارتر وسخرية بيكيت الذي قال ذات مرة: “إذا كنت في مستنقع قذر وقد وصل الطين حتى عنقك، فكل ما عليك فعله هو أن ترقص” فالنستمتع إذا برقصنا فترة ونفكر كيف سيمنحنا القدر فرصة للخروج عندما ينحنى أمام إصرارنا نحو تحديد المصير.



