ابداعات

بل أدرك…

الشيماء أحمد عبد اللاه

ثَمّة أشياء لا تُقال، لا لأن اللغة تعجز عنها، بل لأن بعض ما يسكن القلب أعمق من أن تحمله الكلمات، نلجأ إلى الهدوء أحيانًا كما تلجأ الطيور إلى أعشاشها حين تشتد العاصفة؛ لا فرارًا من الحياة، وإنما حفاظًا على آخر ما تبقّى في الروح من سلام، فما أكثر الحكايات التي ماتت على الشفاه، وبقيت حيّة في أعماق أصحابها.

قد ترى إنسانًا هادئ الملامح، فتظنه عابرًا للحياة بلا ندوب، وما تدري أن في صدره مدنًا كاملة تهدّمت ولم يسمع أحد صوت سقوطها، يبتسم كأن شيئًا لم يكن، ويجيب عن الأسئلة بكلمات عابرة، بينما في داخله بحرٌ هائج لا تظهر أمواجه إلا حين يخلو بنفسه، وبعض الوجوه الوديعة ليست إلا ستائر رقيقة تخفي وراءها أعوامًا من التعب.

ليس كل امتناع عن الكلام ضعفًا؛ فقد يكون المرء أقوى حين يملك ألف كلمة جارحة، ثم يختار أن يتركها تموت في حلقه، هناك معارك لا يكون الانتصار فيها بأن تقول كلمتك الأخيرة، بل بأن تخرج منها وقلبك لم يتلوث بما قيل فيها، فبعض الردود تُرضي كبرياء اللحظة، لكنها تترك في الروح ندبة لا يمحوها اعتذار.

ثم تأتي مرحلة لا يعود فيها الإنسان راغبًا في الشرح؛ يتعب من إعادة الحكاية، ومن محاولة إثبات أنه تألم، ومن انتظار فهمٍ كان ينبغي أن يأتي دون كل هذا العناء، في تلك اللحظة لا يغادر لأنه لم يعد يحب، بل لأنه أدرك أن البقاء في المكان نفسه قد يحوّل ما تبقى من قلبه إلى شيء لا يعرفه.

إنّ أقسى ما في الأمر أن يأتي يومٌ تمر فيه الأشياء التي كانت تؤلمك فلا تجد لها في داخلك ذلك الارتجاف القديم، لا غضب، ولا عتاب، ولا رغبة في الانتقام؛ مجرد هدوء بارد يشبه بيتًا أُطفئت أنواره بعد رحيل أهله، عندها تعرف أن شيئًا ما انتهى في داخلك، لا بصوت بابٍ يُغلق، وإنما كشمعةٍ ذابت حتى آخرها، ثم تركت الفتيل وحيدًا في العتمة.

ومع ذلك، ليست كل عزلة خسارة؛ فقد يبتعد المرء قليلًا عن ضجيج الآخرين حتى يسمع صوته هو، هناك، بعيدًا عن الوجوه والأحكام، تتساقط أشياء كثيرة: أوهام ظنناها حقائق، وأشخاص حسبناهم أوطانًا، وأمنيات تعلّقنا بها أكثر مما ينبغي، وربما كان بعض ما أوجعنا رحمةً لم نفهمها في وقتها، وربما أغلق الله بابًا أحببناه لأنه رأى خلفه طريقًا لا يليق بقلوبنا، لذا أختتم حديثي قائلة:

ولرُبَّ بابٍ أُوصدَتْ مصاريعُهُ
فبكى الفؤادُ وظنَّه حرمانا
حتى رأى بعد المسيرِ بأنّه
كان النجاةَ وكان فيه أمانا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى