
كَانَ بيني وَبَيْنَ الشَّمْسِ مَوْعِدٌ فَأَخْلَفَتْنِي المَوْعِدَ، وَخَرَجْتُ أَبْحَثُ عَنْهَا فَلَمْ أَرَ إِلَّا ضَبَابًا تَوَارَتْ خَلْفَهُ بَيْنَ الأُفُقِ.
وَظَلِلْتُ أُفَتِّشُ عَنْهَا بِلَا كَلٍ، أَوْ مَلٍ حَتَّى أَصَابَنِي الجَهْدُ وَالتَّعَبُ، فَرَكِبْتُ بِسَاطَ الرِّيحِ يَحْمِلُنِي فِي كَوْنٍ وَاسِعِ الرُّحْبِ، وَسَأَلْتُهُ: إِلَى أَيْنَ المَسِيرُ؟ فَقَالَ: إِلَى شَمْسِ الفُؤَادِ، وَعَبِيرِ الحُبِّ وَالشَّوْقِ.
فَأَخْبَرْتُهُ بِأَنَّهَا أَخْلَفَتِ المَوْعِدَ، فَقَالَ لِي: لَهَا العُذْرُ فَلَهَا الدَّلَالُ وَالحَسَبُ وَالنَّسَبُ، وَطَارَ بِيَ البِسَاطُ يَقْطَعُ مَسَافَاتٍ مِنَ الأَمَلِ، وَأَنَا أُدَقِّقُ مِرَارًا وَتِكْرَارًا بَيْنَ الكَوْنِ لَعَلِّي أَجِدُ ضَالَّتِي وَغَايَتِي.
وَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَسَأَلَنِي: إِلَى أَيْنَ السَّفَرُ؟ فَقُلْتُ لَهُ: إِلَى الدِّفْءِ وَالحَنَانِ وَالعِشْقِ، إِلَى السِّرَاجِ الَّذِي يَمْلَأُ الكَوْنَ. فَقَالَ: سَأَرْكَبُ مَعَكُمْ عَلَى البِسَاطِ؛ لِأَرَى ذَلِكَ الحُلْمَ.
فَرَكِبَ مَعَنَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الكَوْنِ؛ مُتَأَمِّلًا فِي عَظَمَةِ الخَالِقِ المُبْدِعِ الصَّمَدِ، وَرَأَى القَمَرَ مِنْ بَعِيدٍ فَنَادَاهُ: أَيْنَ حَبِيبَتِي؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَوَارَتْ بَيْنَ الأُفُقِ، وَذَهَبَ ضَوْؤُهَا عَنِّي فَأَصْبَحْتُ بَعْدَهَا كَبَحْرٍ لُجِّيٍّ فِي لَيْلَةٍ بَهِيمَةِ اليَأْسِ.
وَسَارَ البِسَاطُ يَقْطَعُ مَسَافَاتٍ مِنَ العُمْرِ؛ لَعَلَّهُ يَجِدُ غَايَتِي بَيْنَ الكَوْنِ، فَأُجْهِدَ البِسَاطُ مِنْ سَفَرِهِ، فَقَذَفَنِي عَلَى شَجَرَةِ الأَحْلَامِ، فَاحْتَضَنَتْنِي وَأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ وَسَرَحْتُ فِي الكَوْنِ، وَخَلَوْتُ بِنَفْسِي عَنِ البَشَرِ؛ فَلَمْ أَشُمَّ رَائِحَةَ الغَدْرِ، وَعِشْتُ لَحَظَاتٍ بَعِيدًا عَنِ النِّفَاقِ وَالكُرْهِ.
وَرَأَيْتُ مِنْ بَعِيدٍ ضَوْءًا يُشْبِهُ الشَّمْسَ، فَلَوَّحْتُ بِيَدِي مِنْ بَعِيدٍ لَعَلَّهُ هُوَ الأَمَلُ، وَجَاءَنِي رَجُلٌ عَجُوزٌ يَحْمِلُ مَلَامِحَ جَدِّي، وَتَضَارِيسُ الزَّمَنِ وَاضِحَةٌ فَوْقَ جَبِينِهِ المَلِيءِ بِالحِكْمِ، وَظَلَّ يَنْثُرُ عَلَى الكَوْنِ حُبًّا وَإِخْلَاصًا؛ حَتَّى ارْتَوَى الكَوْنُ بِالأَمَلِ.
فَنَادَيْتُ الشَّمْسَ لِكَيْ أُصَالِحَهَا فَاشْتَدَّتِ الرِّيَاحُ فَحَرَّكَتْ زُجَاجَ نَافِذَتِي، فَاسْتَيْقَظْتُ مِنْ حُلْمِي عَلَى أَذَانِ الفَجر



