بونكس ولكن..

لـ سامية مصطفى عبدالفتاح.
لطالما اعتقدت أنّ تلك الحبيبات الملونة داخل حافظة “بونكس” خُلقت فقط لتنتزع النُفايات عن الأقمشة، لكنني اكتشفتُ أنها تمتلكُ قدرة عجيبة على تفتيت الحزن والخذلان العالقان في الذاكرة منذ الأمد.
الأمر لا يتطلب وسيلة لنقع الملابس وغمسها في المورد المطلوب حتى نخرجها ناصعة البياض، بل يتطلب قلبًا مُحملًا بالأثقال وقليلًا من الدفء؛ تضع بضع حفنات من بونكس على موقفٍ محرج قديم أو كلمةٍ جرحتك أو حتى جُرحٍ تسبب في ندبة لا تُشفى من جسدك، وستلاحظ كيف يبدأ اللون الباهت في روحك بالاستفاقة من جديد.
رائحة “اللافندر” المنبعثة منه ليست مجرد عطر، إنها آلة زمن تعيدك إلى صباحات العيد حين كانت الأفئدة صافية كالدقيق حين نُغربله، قبل أنّ تتدنس بالخناجر النافذة.
في بونكس، توجد جزيئات ذكية لا تبحث عن بقع الزيت، بل تبحث عن تلك الغشاوة التي تزاحمت على أعيننا، فتبصرنا بحقائق الأمور، وتجعلنا نرى الأشياء على سجيتها دون رتوش.
الغريب أنك حين تنثر هذا المسحوق في زوايا غرفتك، لا ينظف الأرضية، بل يمتص طاقة الغضب المُبعثرة في الهواء، ويحولها إلى حفنة كثيفة من الطمأنينة تجعلك تغفو كالقطط لا تأبه سوى للهدوء الداخلي.
أحيانًا أستعين به لتنظيف رأسي من سوداويتهِ التي يقبع بها كل ليلة قبل النوم؛ فأصنع حلقة دائرية تنثر الأفكار في الخارج وأجمعها لأبطل مفعولها القاتم على جمجمتي لتتحول من مأساة لطوق نجاة مرة أخرى، معركة تستغرق الليل بأكمله ليأتي الغسق بفكرٍ جديد.
ليس بونكس مجرد مسحوق توفير، بل هو وسيلة فعالة لترميم المشاعر المُمزقة، حيث تعمل تركيبته على تطهير الماضي، وتعطير الحاضر، وتمهيد المستقبل.



