“كبارٌ وسلطة وصغارٌ يقفون عنوة”

المهند إسلام
القاهرة ٢٠٥٠
“ولوحةٌ كتلك؟ عن ماذا تعبر؟”
قالها المُرشد السياحي موجهًا سؤاله للرجل الكبير أمامه، يبدو في الأربعين من عمره.
كانت اللوحة لشابٍ في الثامنة عشرَ من عمره، جلدٌ زيتي اللونَ يرتديه فوق قميصٍ أبيض، بنطالٍ أسود مع حزامٍ من ظاهره أنه كان ماركة عالمية في ذاكَ الحين. يقفُ الشاب في “مترو” مرتدي سماعةٌ سلكية، وفي يده هاتفه المحمول قديمَ النوعِ حاليًا، متوسط الحداثة في عصره، ٢٠٢٦.
خلفَ الشابِ نجدُ رجلًا عجوزًا، مرتديًا زي عاملِ نظافة أخضر اللون، ينظرُ للشاب بوقاحة، بينما لم يكن الشاب إلا أنه يطالع ملابسَ من حوله من الشباب في سنه، ويحاول تخمين ماركاتِهم، أو ربما كانَ يتأملُ في الموسيقى التي كانَ يسمعها؟ ويعيش في عالمه الخاص؟ لا أعلم.
“أعتقد أنها تُعبّر عن حدث حيثُ عامل الشاب الرجل العجوز بعجرفة ووقاحة، فظلّ العجوز ينظرُ له بمثلها وقاحة.”
قالها الرجلُ الأربعيني.
“أو ربما أساء الشاب أدبه مع الرجل، فهكذا كان المراهقين في العصر القديم، جيلِ الألفية الوقحين.”
قالها رجلٍ آخر خمسيني.
جاءَ من خلفهم شاب، في مثل عمري ربما، الثانية والعشرين عامًا، علّق على كلامهما.
“ألا يمكن أن يكونَ الرجل العجوز لم يحترم أن مصر مختلفة الطبقات، ومن الطبيعي أن تتقابل تلك الطبقات في نقطة ما؟”
جاءَ شابٌ آخر من خلفي وأكمل
“أو ربما احتقرَ الرجل العجوز الشاب، لأنه شاب؟ لأنه صغير؟ يملكُ صحة وقدرة، يرتدي ملابس لم يستطع العجوز أن يرتديها عندما كانَ في مثل سنه؟ ولم يحترم العجوز اختلافَ الطبقات ولا الفروق بينَ الأجيال؟ أو حتى الأعمار؟”
أكملَ شابٌ آخر
“وربما قَدِمَ العجوز من محافظة أخرى، ولم يحترم اختلافَ القاهرة وشبابها عن باقي محافظات مصر؟”
وهكذا، لا تنتهي الصراعات بينهم.
الرجالِ الكبار، والشباب الصغار.
لا يكفّ الكبارِ على لومِ الصغار، ويكثرون القول والتأكيد على عدم احترامهم لهم، بينما لا يحترمون هم أحد، مدّعين أن ذلك لأنهم (كبارٌ في السن).
ففي مصرَ القديمة، كانَ الكبارَ كلما دخلو ذاك المسمى بالمترو يجعلون الصغار يقومون من مقاعدهم عنوة، غيرَ عالمين أن أحدًا سيقوم لهم عندما يراهم بدونِ أوامر، فقط لأنهم يملكون القدرة على ذلك، يملكون السلطة، لأنهم كبار.
بينما يرى الصغار أن الكبار يجبُ عليهم احترامِ الاختلاف بينَ الأجيال، في الملبس والمشرب، في التصرفات والمعاملات، فكل جيلٍ يعرفُ تمامًا كيفية التعايش مع جنسِ جيلهم، فقط ينتظرون من الكبار الابتعاد عن الطريق. ويقدرون الفرق بينَ الطبقات، وإنهاء المعاملات بالطبقية.. والسن.
وإن سألتني عن رأيي، فمن رأيي أن يلتزمَ كلاهما الصمت، فقد عانينا كلانا بالفعل في منزلنا من بعضنا البعض، نهربُ من البيت ابتعادًا عن مشكلاتنا، ولا نريد أن نظلَ نجد أبائنا في كل الكبار من حولنا، ولا نريد أن نضايقكم بقلة إحترامنا وسوء آدابنا الدائمة.



