مقالات

هل يمكن أن تصل الأمور فعلاً إلى لحظة تقرر فيها واشنطن خوض مغامرة الغزو البري؟

✍️ يوحنا عزمي

لو كنت فاكر إن الحرب بين أمريكا وإيران ممكن تفضل محصورة في الصواريخ والمسيرات والضربات الجوية ، يبقى يمكن الصورة اللي في ذهنك ناقصة كتير. لأن تصريح وزير الخارجية الإيراني الأخير فتح باب سيناريو مختلف تماماً ، سيناريو أخطر بكتير من مجرد تبادل قصف من بعيد.

الرجل خرج وقالها بصراحة شبه متحدية : إيران مستعدة لأي غزو بري ، بل وتنتظره ، وأن الكارثة الحقيقية لن تقع على طهران بل على واشنطن نفسها.

والأخطر من كده إنه رفض أي حديث عن تفاوض أو هدنة ، وكأنه بيقول للأمريكيين بوضوح : لو عندكم الجرأة ، انزلوا على الأرض.

الكلام ده للوهلة الأولى ممكن يبان كأنه تهور أو مبالغة في الثقة لكن في الحقيقة هو جزء من عقلية إستراتيجية أعمق بكتير.

إيران بتتكلم من منطلق إدراكها لنقطة ضعفها الحقيقية ونقطة ضعف خصمها في نفس الوقت. هي عارفة إنها لا تملك التفوق الجوي ولا التكنولوجيا العسكرية اللي عند الولايات المتحدة وده شيء واضح لأي مراقب. لكنها في المقابل تعرف نقطة الضعف الأمريكية : الحساسية الشديدة تجاه الخسائر البشرية.

في النظام السياسي الأمريكي كل جندي يعود إلى بلده في تابوت يتحول إلى أزمة سياسية وإعلامية ، والرأي العام هناك لا يحتمل حروباً طويلة مليئة بالقتلى.

من هنا يظهر ما يسميه بعض المحللين العسكريين بـ”استراتيجية القنفذ”. الفكرة ببساطة أن الدولة الأضعف تحصن نفسها داخل أرضها وتحول أي محاولة لغزوها إلى حرب استنزاف طويلة ومؤلمة للمهاجم. إيران لا تراهن على إسقاط الطائرات الأمريكية في السماء ، بل تراهن على الأرض نفسها : الجبال الوعرة ، الصحاري الشاسعة ، المدن المكتظة ، والشبكات العسكرية غير النظامية المنتشرة في كل مكان. هي تريد تحويل أي حرب إلى مستنقع لا نهاية له.

لو تحول الصراع فعلًا إلى غزو بري ، فإن طبيعة الحرب ستتغير بالكامل. لن تكون مجرد ضربات دقيقة من الجو ، بل قتال شوارع، كمائن ، عبوات ناسفة ، وحرب عصابات طويلة. السيناريو الذي تحاول إيران دفع واشنطن إليه يشبه إلى حد بعيد ما حدث في فيتنام ثم أفغانستان والعراق ، لكن على نطاق أكبر بكثير.

إيران دولة ضخمة جغرافياً ، وتضم ما يقرب من تسعين مليون نسمة، ومعظم سكانها لديهم خبرة طويلة في التعبئة العسكرية والعقائدية منذ الحرب مع العراق في الثمانينيات.

أي غزو بري بهذا الحجم سيحتاج حشداً عسكرياً هائلًا .. بعض التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن السيطرة على بلد بحجم إيران قد تتطلب مئات الآلاف من الجنود وربما يقترب العدد من مليون جندي إذا كان الهدف هو إحتلال فعلي وإدارة الأرض. في المقابل لن يواجه هؤلاء جيشاً نظامياً فقط ، بل شبكة كاملة من القوات : الجيش الإيراني، الحرس الثوري، قوات الباسيج، إضافة إلى ملايين المتطوعين المحتملين الذين قد يتحولون إلى مقاومة مسلحة داخل المدن والقرى.

المشكلة الأكبر بالنسبة لواشنطن أن الأيام الأولى فقط من حرب كهذه قد تكون مكلفة بشكل صادم. بعض التحليلات العسكرية تتحدث عن احتمال سقوط آلاف القتلى والجرحى في بداية العمليات نتيجة الكثافة السكانية وصعوبة التضاريس وحجم القوات المدافعة. أرقام بهذا الحجم قد تكون كافية لإشعال عاصفة سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها ، لأن الرأي العام الأمريكي أصبح أقل استعداداً لدفع كلفة بشرية ضخمة في حروب بعيدة.

لكن الجحيم الحقيقي لن يقتصر على ساحة القتال داخل إيران فقط. أي غزو بري سيهز النظام الاقتصادي العالمي فوراً.

أول رد فعل متوقع سيكون إنفجار أسعار النفط والغاز ، لأن منطقة الخليج هي شريان الطاقة الرئيسي للعالم. مع أول مواجهة واسعة قد تقفز الأسعار بشكل غير مسبوق، وربما تصل إلى مستويات تدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود حاد. الأسواق المالية ستصاب بالذعر، وسلاسل الإمداد قد تتعطل، والدول الصناعية ستدخل في أزمة طاقة قاسية.

ثم هناك البعد الإقليمي الأخطر. الحرب البرية مع إيران لن تبقى محصورة بين دولتين. الشرق الأوسط كله قد يتحول إلى ساحة اشتباك مفتوحة. حلفاء طهران في المنطقة لن يقفوا متفرجين وقد تنفتح جبهات متعددة في وقت واحد ، سواء ضد القواعد الأمريكية أو ضد إسرائيل. عندها لن نتحدث عن حرب محدودة بل عن إنفجار إقليمي واسع يضع المنطقة كلها فوق برميل بارود.

والنتيجة الإنسانية ستكون كارثية أيضاً. حرب بهذا الحجم في بلد كبير ومكتظ مثل إيران قد تؤدي إلى نزوح ملايين البشر داخل البلاد وخارجها. دول الجوار قد تجد نفسها أمام موجات لجوء ضخمة ، والبنية التحتية الإيرانية قد تتعرض لدمار واسع إذا تحول القتال إلى حرب شاملة.

وسط كل هذه الاحتمالات يظل التصريح الإيراني يحمل رسالة واضحة: طهران لا تحاول الانتصار في حرب تقليدية مع أمريكا بل تحاول جعل كلفة الحرب أكبر من قدرة واشنطن على تحملها. هي تقول ضمنياً : ربما تستطيعون ضربنا من الجو ، لكن محاولة احتلالنا على الأرض ستكون مغامرة قد تستنزفكم لسنوات طويلة.

وهنا يظهر المأزق الحقيقي أمام الولايات المتحدة .. الاكتفاء بالضربات الجوية قد يجعلها تبدو وكأنها عاجزة عن حسم الصراع ، لكن الذهاب إلى غزو بري قد يفتح باب حرب لا يمكن السيطرة على نتائجها. وبين هذين الخيارين تقف المنطقة كلها في حالة ترقب ، لأن أي قرار خاطئ قد يشعل واحدة من أخطر الحروب في تاريخ الشرق الأوسط.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يشغل الجميع : هل يمكن أن تصل الأمور فعلًا إلى لحظة تقرر فيها واشنطن خوض مغامرة الغزو البري؟ أم أن كل هذا التصعيد مجرد لعبة ضغط ورسائل متبادلة بين الطرفين دون نية حقيقية للانزلاق إلى حرب شاملة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!