ابداعات

رسالة ميت

يمنى ربيع

 

حين وصلته الرسالة، عرف من السطر الأول أن كاتبها مات قبل أن يرسلها.
تلك الرسالة لم تأتِ بواسطةٍ بريدٍ معلوم، أو بأي شيء يمكن الاستدال منه على صاحبها، كل ما وجده صباح اليوم قبل ذهابه للعمل، كان مجرد رسالة ورقية بخط يدٍ مُنمق وأنيق.
وفوق الرسالة كُتب «من إلياس إلى عزيزي الصغير»

إلياس؟
طوال حياته التي امتدت لتُقارب الخمسين عامًا لم يعرف في حياته سوى إلياس واحد، وقد مات منذ خمس سنوات في حادثٍ أليم.

ذاك الحادث يتذكره، ويعرفه، ويأتيه كل ليلة في كوابيس ليلية لا تُفارق خياله الخِصب. ضحية واحدة، وناجٍ واحد.
هو الناجي، وإلياس الضحية، هو سائق السيارة، والآخر راكبها.

كيف تأتيه رسالة من ميتٍ مجاورٍ لقبور الأجداد؟

فتح الرسالة، يقرأها بتمعن من يُحيط بسرٍ مدفون في أعماق ذاك القبر..
ارتجف جسده بغته، جلس على المقعد، يداه تنتفضان برعشةٍ خفيفة يقرأ كلمات ذاك الإلياس وهو يقول:
«عزيزي الصغير أو صغيري العزيز لا يهم بأي لقبٍ أناديك، فإني لا أستطيع إلا أن أظهر إعجابي وامتناني الخالص لك، فإني سعيدٌ جدًا هنا، وانتظر مجيئك إليّ بفارغ الصبر، وأنتظرك بقلبِ أمٍ شَوقى لوحيدها الصغير.
إني أعتذر لك مُسبقًا، فقد أخذت قلب الفقيدة والدتك، لأستدل على وجهة بيتك. قلب الأم هذا معجزة، يعرف بيت وحيده، ويلتمس روحه داخله وإن كانت تحت التراب.

أنتظرك غدًا، تأتيني، وآخذ منك قصاصي، فأنت الميت.. وأنا الحي

إلى اللقاء
عزيزك الجميل إلياس»

ارتعشت قبضه يده، تساقطت حبيبات عرق من فوق جبينه رغم البروده اللازعة التي تلتف حول المنزل، توقف عقله عند جملة واحده«أنتظرك غدًا..»
غدًا.. يوم الغد!
إنه الذكرى الخامسة لحادث إنقلاب السيارة، في مثل يوم الغد قبل خمس سنوات، تسبب هو في ذاك الحادث، ومات صديقه ونجى هو.

إنه مخطئ، ويعلم أنه كذلك، ولكن كيف يكون هذا معقولًا؟!

كيف تأتيه رسالة من ميت؟

كيف يكتب وقد نبش الدود أرضية القبور كمُحتلٍ جائر يرفض الاستقلال؟

ترك الورقة من بين يديه، ارتاح بظهره للخلف حيث الأريكة العتيقة الخاصة به، فرك عينيه ببطء، يُغمضها بأنينٍ خافت من صداع ضرب مقدمة رأسه بلا هوادة.
استكان في جلسته لدقائق قليلة، فجأة، تجلى أمامه إلياس، بلحيته الكثة وشعره المتموج.
بنظرته التي تمتزج دائمًا بين الحزن والغضب.

وجد نفسه فجأة مُقيدًا على كرسي خشبي، المكان مظلم، ولا يستطيع تبيان أي شيء سوى وجه إلياس الغاضب يقترب منه رويدًا رويدًا.

صدح صوت إلياس بغضب
_ لماذا فعلت هذا؟

_ماذا فعلتُ أنا؟ لم أفعل شيئًا

_أنت تعرف ضيق نفسي، فلا تختبره أكثر. أريد فقط معرفة السبب

_وقلت أنني لا أعلم، ولا دخل لي في أي شيء

توقف إلياس، يزفر أنفاسًا غاضبه، بينما الآخر يحاول تحرير يديه بانفعال وهو يقول:
_مالك ومالي إلياس؟ اتركني من هذا ودعني مما يحدث معك

لكمه إلياس بكل قوة يده وهو يقول بغضب:
_أنا من مِتّ يا هذا، رحلت روحي عن الدنيا، دُمرت حياتي واسرتي، وأنت السبب

_لا لست السبب إلياس، ليس لي دخل بهذا الحادث

_كيف وأنت السائق؟
كنت تعرف أن المكابح بها عطل ورغم ذلك خرجت بها، ولم تخبرني.

اضطربت قسماته، ليبتسم إلياس بسخرية وهو يقول:
_أرأيت! ما أقوله صحيح، أنت السبب، وعليك أن تموت.

سقطت دمعة من عينه، وأكمل: لقد دمرت حياتي وأنت تقول أنك تعلم وتدرك كل شيء، والحقيقة أنك جاهل.. جاهل يا صديقي.

توقف الآخر عن محاولاته للخروج من ذاك القيد، استسلم لإلياس وما يفعله به غير أنه قال:
_أنا لم أقصد أي شيء من هذا، لم أقصد حدوثه، و..

توقف برهة قبل أن يكمل: لقد اعتنيتُ بعائلتك يا صديقي، لقد فعلتها من أجلك أنت واعتنيتُ بهم.

ازدادت ضحكات إلياس، قبل أن ينفجر غضبًا، يلكم بغضب وهو يصرخ:
_هل تُزوج ابنتي في الخامسة عشر وتقول اعتنيت بهم؟
هل تعطي ولدي ليعمل ميكانيكيًا وهو لم يكمل بعد الثامنة من عمره وتقول اعتنيت بهم؟
هل تُخرج زوجتي من المشفى وهي مريضة، وتمنع عنها الدواء وتتركها للموت باتباعك ذاك النظام الخبيث غير معلوم الصحة وتُبدل علب دواءها بأخرى فاسدة وتموت. وتقول لي كنت اعتني بهم؟

لقد كانت روحي مُحلقة في أرجاء المنزل، أحاول منعك بكل قوة، آتيك في المنام واقول ابتعد عنهم وأنت لا تهتم وتفعل ما تريد.

ازدادت ضربات إلياس، لا يرى الدماء التي تسيل من كل مكان ولا بالشهقات العالية التي تحاول منعه مما يفعل.

وبعد دقائق طويلة، توقف..
نظر له بعين فارغة قبل أن يرفع يده في الهواء بسكينٍ حاد يهبط به بكل قوة على جسد ذاك الدامي مقيد اليدين والقدمين.

توقف إلياس وهو يرى الروح تخرج ثم ابتعد بابتسامة شامته وحزن شديد يُكبله عن الحراك.

عادت الغرفة إلى سابق عهدها، وهو يستند بظهره على الأريكة، يقبض بأنامله على ورقة على ملقاة فوق الأرض.

دُفع باب الغرفة تدخل منه فتاة شابة في مقتبل العمر تنادي أبي. تسمرت قدماها بغته ترى والدها بهذا الوضع، تصرخ، تبكي، تنادي على أي أحد ليساعد غير أن الروح قد خرجت إلى بارئها. وأتى تقرير الطبيب بأن الوفاة قد نتجت من إنفجار أحد الشرايين الرئيسية نتيجة إرتفاع الضغط.

بينما في الخارج كانت هناك ريح عالية تعصف داخل الغرفة تشعر من خلالها بريحِ أنتقامٍ هدئت قبل الأوان.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى