مقالات

بعد رفض ترامب الرد الإيراني هل تقترب ساعة الحرب الكبرى؟

✍️ يوحنا عزمي

في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه القاطع للرد الإيراني الذي نُقل عبر الوسيط الباكستاني مستخدماً عبارة حاسمة لا تحتمل التأويل، بدا وكأن نافذة التهدئة التي فُتحت على استحياء قد أُغلقت بعجلة ، قبل أن تُمنح فرصة حقيقية للتقييم أو المناورة السياسية.

هذا الرفض السريع أعاد المشهد الدولي إلى نقطة الصفر ، وطرح سؤالًا ضاغطاً يتردد صداه في عواصم العالم: ماذا بعد؟ وهل انهارت بالفعل كل الجهود التي سعت إلى كبح التصعيد ، لتعود الأمور إلى مسار المواجهة المفتوحة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى؟

في تل أبيب ، يقف بنيامين نتنياهو في حالة ترقب مشحون، كمن ينتظر إشارة البدء. فمنذ لحظة وقف إطلاق النار، لم تتوقف الاستعدادات العسكرية ، ولم تهدأ الحسابات الاستراتيجية التي تُبنى على افتراض أن جولة قادمة قادمة لا محالة. الرهان هناك أن الضوء الأخضر من البيت الأبيض مسألة وقت ، وأن هذه الجولة قد تُشكل فرصة لإنهاء ما تعتبره إسرائيل استنزافاً طويلًا مع إيران. في هذا التصور ، لا تُرى الحرب كخيار اضطراري ، بل كخاتمة حاسمة لمسار صراع ممتد.

غير أن الدخول الإسرائيلي المتوقع إلى ساحة المواجهة لن يبقى معزولًا ؛ إذ يُفترض أن تلتحق به الولايات المتحدة سريعًا، عبر حضورها البحري الكثيف في محيط إيران ، ومن خلال قواعدها المنتشرة في الخليج ومناطق أخرى. الهدف المعلن في مثل هذا السيناريو سيكون ضرب البنية التحتية الحيوية لإيران : منشآت الطاقة، شبكات الإمداد، والمرافق الاقتصادية الأساسية، في محاولة لإغراق البلاد في شلل شامل. هذا النوع من الاستهداف، الذي تُصرح به تل أبيب كهدف استراتيجي، يعني أن المعركة لن تكون محدودة أو رمزية، بل مُصممة لإحداث أثر بنيوي طويل الأمد.

لكن افتراض أن المشهد سيمضي بسهولة يغفل عنصراً حاسماً : طبيعة الرد الإيراني. فحتى لو لم يكن الرد متكافئاً في الحجم أو القدرة التدميرية مقارنة بما قد تتعرض له إيران ، فإن طبيعته الانتقامية المتوقعة قد تفتح دوائر جديدة من النار. إسرائيل، بحكم الجغرافيا وقابلية التعرض، تبدو هدفًا مباشرًا للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية. كما أن امتدادات الرد قد لا تتوقف عند هذا الحد ، إذ يمكن أن تطال مصالح وقواعد وتحالفات في محيط الخليج ، بما يوسع رقعة التأثير ويضاعف كلفة الصراع على أطراف لم تكن ترغب في أن تكون جزءًا منه.

في مثل هذا السياق ، لا يعود الحديث عن مواجهة تقليدية، بل عن حرب ذات طابع إقليمي واسع ، تتداخل فيها الجغرافيا بالاقتصاد بالأمن الدولي. تداعيات كهذه لن تبقى محصورة في مسرح العمليات ، بل ستنعكس على أسواق الطاقة ، وسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي العالمي ، لتخلق أزمات ممتدة قد تحتاج سنوات لتجاوز آثارها. العالم بعد هذه المواجهة المحتملة لن يكون كما كان قبلها، لأن حجم التحولات التي قد تفرضها يتجاوز حدود الحسابات العسكرية الضيقة.

في المقابل ، يُسوق هذا التصعيد في واشنطن وتل أبيب بوصفه خطوة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، عبر إزالة ما يُعد تهديداً نووياً دائماً. غير أن هذا الطرح يثير جدلًا واسعًا حول مصادر التهديد الحقيقية في الإقليم ، وحول ما إذا كانت الحروب المتكررة قادرة فعلًا على إنتاج سلام مستدام ، أم أنها تعيد إنتاج دوامات العنف في صور أكثر تعقيدًا. فالتاريخ القريب يُظهر أن الاستخدام المفرط للقوة لا يُنهي المخاوف الأمنية بقدر ما يعيد توزيعها ويضاعفها.

الخلاصة أن المشهد الراهن يقف على حافة احتمالات مفتوحة على كارثة واسعة النطاق. ضيق هوامش الرؤية، والتسرع في القرارات، وسوء إدارة الأزمات ، كلها عوامل تُنذر بانزلاق سريع نحو مواجهة قد يصعب احتواؤها. ومع تقاطع حسابات القوة في واشنطن وتل أبيب، يصبح العالم كله معنيًا بنتائج هذا المسار ، لأن كلفته لن تتوقف عند حدود أطرافه المباشرين ، بل ستمتد لتطال النظام الدولي بأسره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى