طبول الحرب تُقرع من جديد في الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي
تتسارع المؤشرات في الإقليم بصورة توحي بأن المنطقة تقف مجدداً على حافة تصعيد عسكري واسع ، ليس عبر التصريحات وحدها، بل من خلال تحركات ميدانية ولوجستية وأمنية متزامنة بين عدة أطراف رئيسية. خلال أربع وعشرين ساعة فقط ، أعلنت إسرائيل أنها تسلمت نحو 6500 طن من الذخائر والمعدات العسكرية القادمة من الولايات المتحدة عبر جسر جوي وبحري شاركت فيه سفن شحن ضخمة وطائرات نقل عسكرية، وهي كمية لا يمكن فهمها باعتبارها دعماً روتينياً ، بل أقرب إلى عملية إعادة تعبئة استراتيجية للمخازن استعداداً لاحتمال عمليات ممتدة.
تزامن ذلك مع تصريحات مباشرة من وزير الدفاع الإسرائيلي تؤكد أن الجيش يستعد للعودة إلى قتال إيران ، وهي صياغة لا تحمل التباساً سياسياً أو دبلوماسياً، بل تعكس نية عملياتية واضحة. كما نقلت Times of Israel أن الخطط وبنك الأهداف الجديد عُرضا بالفعل على الرئيس الأمريكي ، في إشارة إلى تنسيق سياسي ـ عسكري متقدم يتجاوز مستوى الدعم التقليدي.
في السياق نفسه ، اتخذت الإمارات العربية المتحدة قراراً مفاجئاً بحظر سفر مواطنيها إلى إيران ولبنان والعراق ، مع مطالبة الموجودين هناك بالعودة الفورية. مثل هذه القرارات لا تصدر عادة بوصفها احترازاً عاماً ، بل تستند غالباً إلى تقديرات استخباراتية تتوقع تدهوراً سريعاً في بيئة الأمن الإقليمي.
التوقيت ، وطبيعة القرار ، وشموليته ، كلها عناصر توحي بأن أبوظبي تتعامل مع احتمالية تطور أمني وشيك لا تريد أن يكون مواطنوها جزءاً منه. تزامن ذلك مع مؤشرات توتر جانبي يتعلق بعلاقات الإمارات مع باكستان ، الدولة المنخرطة في وساطات بين طهران وواشنطن، وما رافق ذلك من ضغوط مالية وسياقات إدارية أثارت تساؤلات حول المناخ السياسي المحيط بالتحركات الجارية.
الأكثر لفتاً أن التحرك الإماراتي لم يتوقف عند الإجراءات القنصلية ، بل امتد إلى تعاون عسكري مباشر مع إسرائيل.
تقرير نشرته فاينانشيال تايمز كشف عن تزويد الإمارات بمنظومات دفاع جوي متطورة خلال الأيام الماضية، شملت نظام مراقبة يُعرف باسم Spectro قادر على رصد المسيرات على مسافات قصيرة، إلى جانب نسخة من نظام الليزر الدفاعي Iron Beam، وبطاريات من منظومة القبة الحديدية.
الأهم في التقرير لم يكن نوع المنظومات فحسب ، بل الإشارة إلى وجود عناصر إسرائيلية على الأرض للمساعدة في التشغيل، وأن مستوى التعاون وصل إلى إتاحة تقنيات لا تزال في مراحل تطوير. هذا النوع من الانخراط العسكري العلني يفسر جزئياً حدة التحذيرات الإيرانية الموجهة إلى الإمارات بشأن التعاون مع إسرائيل ، ويعكس أن أبوظبي تتصرف باعتبارها طرفاً قد يتأثر مباشرة بأي تصعيد مقبل.
على الضفة الأخرى ، تتحرك واشنطن بخطوات توحي بأنها تهيئ الإطار القانوني والعملياتي لتصعيد محتمل. تقارير من ABC News تحدثت عن مشاورات مع مشرعين للحصول على تفويض رسمي من الكونغرس لأي عمل عسكري ضد إيران، في وقت رفض فيه مجلس الشيوخ مقترحات كانت تستهدف كبح العمليات العسكرية.
بالتوازي ، طلبت القيادة المركزية الأمريكية نشر معدات إضافية في الشرق الأوسط ، من بينها صواريخ فرط صوتية من طراز Dark Eagle يتجاوز مداها ألفي كيلومتر وسرعتها عدة أضعاف سرعة الصوت. دلالة هذا الانتشار لا تتعلق بالقوة النارية فحسب ، بل بطبيعة الأهداف المحتملة ، إذ تشير تقارير عسكرية إلى أن إيران نقلت بعض منصات صواريخها إلى نطاقات أبعد من مدى الذخائر التقليدية التي استخدمت سابقاً، ما يفسر الحاجة إلى قدرات بعيدة المدى وعالية السرعة قادرة على اختراق التحصينات.
في المقابل ، لا تبدو طهران في موقع المتلقي السلبي.
وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية تحدثت عن نشاط ملحوظ لمنظومات الدفاع الجوي في عدة قطاعات من العاصمة بعد رصد مسيرات استطلاعية ، ما يعكس حالة استنفار عملياتي.
كما نقلت NBC News تقديرات تفيد بأن إيران بدأت في إخراج صواريخ ومسيرات كانت مخزنة في أنفاق ومنشآت محصنة تحت الأرض ، وأن استراتيجية التوزيع والتمويه والدفن المسبق ساعدت في حماية جزء معتبر من هذه القدرات من الضربات السابقة. هذا يعني أن طهران تتصرف على أساس أن جولة جديدة قد تندلع، وأنها تريد استعادة جاهزيتها الصاروخية بسرعة.
التصريحات الصادرة عن قائد البحرية الإيرانية حول سلاح جديد “تخشاه الولايات المتحدة” تندرج أيضاً في سياق الحرب النفسية ورفع سقف الردع، خاصة مع تكهنات بعض المحللين بأن المقصود قد يكون صاروخاً مضاداً للسفن مثل CM-302، وهو سلاح إن صح دخوله الخدمة الفعلية سيؤثر مباشرة في معادلات الأمن البحري في الخليج ومضيق هرمز. يضاف إلى ذلك تقارير عن قرب تسلم إيران مقاتلات Su-35 من روسيا ، وهي طائرات من فئة متقدمة نسبياً يمكن أن تمنح سلاح الجو الإيراني دفعة نوعية ، شريطة تأمين مظلة دفاع جوي فعالة لحمايتها على الأرض.
عند تجميع هذه العناصر في صورة واحدة، يتضح أن ما يجري ليس مجرد ضجيج إعلامي أو استعراضات سياسية ، بل عملية إعادة تموضع وتسليح متزامنة بين أطراف متعددة ، كل منها يتصرف كما لو أن نافذة زمنية قصيرة تفصل المنطقة عن مواجهة جديدة. كثافة الشحنات العسكرية ، القرارات القنصلية الاستثنائية، نشر منظومات دفاعية متقدمة خارج الحدود ، التحركات القانونية في واشنطن ، الاستنفار الدفاعي في طهران ، والتلويح بأسلحة نوعية ، كلها إشارات تتكامل لتشكل مناخاً أقرب إلى ما يسبق الانفجار لا ما يليه. وفي بيئة إقليمية مشبعة بالتوتر وسوء الثقة، قد يكون أي احتكاك محدود أو خطأ في التقدير كافياً لتحويل هذا الاستعداد المتبادل إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الأطراف المباشرة.



