كيف أعادت بيونغ يانغ تعريف قواعد اللعبة النووية مع واشنطن

✍️ يوحنا عزمي
التطورات الأخيرة في الخطاب السياسي والعسكري الصادر من بيونغ يانغ تعكس تحولًا عميقاً في طريقة نظر القيادة الكورية الشمالية إلى بيئتها الدولية ، وإلى طبيعة الصراع مع الولايات المتحدة تحديداً. ما يلفت الانتباه ليس مجرد التصعيد اللفظي ، بل إعادة صياغة فلسفة الردع ذاتها داخل البنية الدستورية للدولة، بما يحوّل السلاح النووي من أداة ردع تقليدية مرتبطة بقرار القيادة السياسية ، إلى منظومة رد فعل شبه تلقائي مرتبطة ببقاء رأس النظام نفسه.
هذا التحول يضع العالم أمام صيغة مختلفة من الردع، أقرب إلى فكرة “الردع المربوط بالحياة البيولوجية للزعيم”، حيث يصبح أي تهديد مباشر لشخصه بمثابة تهديد آلي يطلق سلسلة من الإجراءات العسكرية المدمرة دون الحاجة إلى قرار بشري لاحق.
هذا النوع من التفكير لا يمكن فصله عن إدراك كيم جونغ أون لطبيعة التحولات في سلوك القوى الكبرى خلال السنوات الأخيرة، حيث برزت أنماط جديدة من إدارة الصراع تعتمد على استهداف القيادات ، والضربات الدقيقة ، والحروب غير المتكافئة التي تتجاوز المواجهات التقليدية بين الجيوش.
من هذا المنظور ، يبدو أن القيادة الكورية الشمالية قرأت المشهد العالمي باعتباره انتقالًا من صراعات الدول إلى صراعات تستهدف الرؤوس مباشرة ، وهو ما استدعى – في تصورها – بناء “بوليصة تأمين قصوى” تضمن أن أي محاولة لإزاحة رأس النظام لن تمر دون تكلفة كارثية فورية.
الفكرة المعروفة في الأدبيات الاستراتيجية باسم “Dead Man’s Switch” أو “مفتاح الميت” تعني أن فقدان الاتصال بالقيادة أو التأكد من اغتيالها يؤدي تلقائياً إلى إطلاق منظومات الردع. إدراج هذا المفهوم داخل الإطار الدستوري يحول الردع النووي من قرار سياسي إلى عقيدة دولة، ويبعث برسالة مفادها أن محاولة شل القيادة لن تنهي الخطر، بل ستُفعله فورًا. بهذا المعنى ، يصبح استهداف الزعيم خيارًا غير عقلاني لأي خصم، لأن النتيجة ستكون تلقائية وخارجة عن السيطرة.
إلى جانب هذا التعديل ، هناك تحول آخر لا يقل خطورة يتمثل في تغيير توصيف كوريا الجنوبية داخل الخطاب الرسمي. فبعد عقود من الحديث – ولو نظرياً – عن إعادة التوحيد ، يجري الآن توصيف الجنوب بوصفه “العدو الأكثر عدائية”، وهو توصيف يهيّئ الرأي العام والجيش نفسياً وفكرياً لفكرة أن أي مواجهة مستقبلية لن تكون حرباً أهلية بين شطرين ، بل حرباً كاملة ضد كيان معادٍ يُنظر إليه باعتباره امتدادًا مباشرًا للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. هذا التغيير في اللغة ليس تفصيلاً رمزياً، بل جزء من إعادة تعريف مسرح العمليات المحتمل.
الأهم من ذلك أن الخطاب الكوري الشمالي لم يعد يكتفي بالحديث عن الدفاع عن بيونغ يانغ ، بل يتحدث عن “دور أكثر نشاطاً” في مواجهة واشنطن على مستوى عالمي. هذا التعبير يفتح الباب أمام سيناريوهات تتجاوز شبه الجزيرة الكورية ، مثل توسيع نطاق التعاون العسكري أو التقني مع خصوم الولايات المتحدة ، أو الانخراط بصورة غير مباشرة في دعم أطراف تناوئ المصالح الأمريكية في مناطق متعددة. هنا لا يعود الصراع محصوراً في الجغرافيا ، بل يتحول إلى شبكة تأثيرات غير مباشرة قد تمتد إلى مسارح بعيدة.
من منظور تحليلي، يبدو أن القيادة الكورية الشمالية تحاول قلب معادلة الضعف الجغرافي والعزلة الدولية إلى مصدر قوة ردعية، عبر تحويل أي تهديد مباشر لها إلى خطر عالمي واسع النطاق.
فهي تدرك أن قدراتها التقليدية محدودة مقارنة بالولايات المتحدة وحلفائها، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قدرة نووية وصاروخية كافية لفرض معادلة “الخسارة للجميع” إذا تعرض النظام نفسه للتهديد الوجودي.
بهذا المعنى ، ما يجري ليس مجرد تصعيد، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة الاستراتيجية. الردع لم يعد قائمًا فقط على توازن الرعب التقليدي ، بل على فكرة أن المساس برأس النظام يساوي إطلاق سلسلة أحداث لا يمكن وقفها. وهذا يضع صانعي القرار في واشنطن وسيول وطوكيو أمام معضلة معقدة: كيف يمكن الضغط على بيونغ يانغ دون الاقتراب من الخط الذي قد يُفعِّل هذه المنظومة التلقائية؟
في المحصلة ، المشهد يعكس عالماً تتآكل فيه قواعد الاشتباك القديمة، ويزداد فيه اعتماد الدول على أدوات ردع غير تقليدية، مدفوعة بشعورها بأن البيئة الدولية أصبحت أقل التزامًا بالقيود الكلاسيكية للصراع. وما فعلته كوريا الشمالية هو ترجمة هذا الشعور إلى نص دستوري وعقيدة عسكرية واضحة ، عنوانها أن بقاء القيادة ليس شأناً داخلياً فحسب ، بل قضية ذات تبعات كونية.



