اليورانيوم تحت الجبل .. ورقة إيران التي تربك الحسابات

✍️ يوحنا عزمي
التقرير الذي نشرته وول ستريت جورنال أعاد تسليط الضوء على زاوية شديدة الحساسية في المشهد النووي الإيراني، زاوية تتعلق بما لم يُدمر ، وما لم يُكشف ، وما ظل محفوظاً بعيداً عن الضربات والاغتيالات والرسائل العسكرية المتبادلة. فبينما بدا لسنوات أن العمليات الأمريكية والإسرائيلية أصابت البرنامج النووي الإيراني في مقتل ، وأن المنشآت والمختبرات والعقول العلمية تعرضت لاستنزاف قاس، يكشف التقرير أن الصورة على الأرض أكثر تعقيداً بكثير مما كان يُعتقد.
ما تم استهدافه بالفعل كان أجزاء ظاهرة من البنية النووية: مرافق بحثية ، مواقع إنتاج أولية ، منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، وعلماء لعبوا أدوارًا محورية في تطوير البرنامج. هذه الضربات بدت مؤثرة في ظاهرها، لكنها – بحسب ما ورد – لم تمس جوهر القدرة الحقيقية التي تُبقي البرنامج حياً وقابلًا للعودة بسرعة. جوهر هذه القدرة يتمثل في شيئين : أجهزة الطرد المركزي التي تقوم بعملية التخصيب ، والمخزون المتراكم من اليورانيوم المخصب بدرجات تقترب من المستوى المطلوب عسكرياً.
التقرير يشير إلى أن إيران احتفظت بما يقارب ألف رطل من اليورانيوم المخصب بدرجات مرتفعة ، وأن جزءاً معتبراً من هذه الكمية محفوظ داخل أنفاق عميقة تحت الأرض في مواقع محصنة بعناية شديدة ، من بينها مواقع في أصفهان ومناطق قرب نطنز. هذه المواقع – وفق ما ورد – محصنة إلى درجة تجعل حتى الذخائر الأمريكية الخارقة للتحصينات غير قادرة بسهولة على الوصول إليها أو تدمير محتوياتها. وهنا تتضح الفكرة الأساسية :
ما تضرر كان السطح ، أما الخزان الحقيقي الذي يحتوي على المادة الاستراتيجية فقد بقي في مأمن.
هذا الواقع يفسر الكثير من التعقيدات التي أحاطت بجولات التفاوض الأخيرة. فعندما تدخل دولة إلى التفاوض وهي تمتلك المادة الخام الأساسية التي يمكن ، نظرياً ، أن تُحول إلى سلاح نووي ، فإن موقعها التفاوضي يختلف جذرياً عن دولة تسعى فقط للاحتفاظ بحق التخصيب من حيث المبدأ. المطالب الأمريكية التي دعت إلى “تخصيب صفري” وتسليم المخزون بالكامل اصطدمت بحقيقة أن هذا المخزون تحديداً يمثل ورقة القوة الأساسية في يد طهران ، بينما عرضت إيران تخفيض مستوى التخصيب دون التخلي الكامل عنه. هذا التباين لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً واستراتيجياً ، لأن التخلي عن المخزون يعني التخلي عن أهم عنصر ردع تملكه.
ومع ذلك ، يوضح التقرير أن امتلاك اليورانيوم المخصب لا يعني تلقائياً امتلاك سلاح نووي جاهز. عملية “تسليح” اليورانيوم، أي تحويله إلى رأس حربي صالح للاستخدام ، تتطلب خبرات دقيقة ومراحل هندسية معقدة. الضربات الإسرائيلية التي استهدفت علماء البرنامج ربما أبطأت هذا الجانب تحديداً. لكن في المقابل ، تشير القراءة إلى أن المعرفة النظرية لا تُمحى بسهولة ، وأن استعادة القدرات البشرية ليست مهمة مستحيلة إذا توفرت الإرادة السياسية لاتخاذ الخطوة الأخيرة.
المعضلة الكبرى التي تبرز من التقرير ليست في قدرة إيران الحالية، بل في صعوبة منعها مستقبلاً إذا قررت التحول السريع من وضع “القدرة الكامنة” إلى وضع “القدرة الفعلية”. وجود المواد والمواقع المحصنة يجعل عملية الاكتشاف المبكر أو الإيقاف العسكري أكثر تعقيداً ، ويزيد من تكلفة أي مغامرة عسكرية محتملة.
وهذا يفسر لماذا – وفق ما نُقل – تم التفكير في خيار عسكري مباشر للاستيلاء على المخزون ، قبل أن يتضح أن العملية ستكون محفوفة بالمخاطر وقد تفتح الباب أمام تصعيد واسع يصعب احتواؤه.
بهذا المعنى ، يمكن فهم التحول من لغة التهديد العسكري إلى الإصرار على شروط تفاوضية صارمة ، ثم إلى أدوات ضغط أخرى كالعقوبات والحصار. فالواقع الميداني الذي كشفه التقرير يوضح أن اليورانيوم المخزن تحت الأرض ليس مجرد مادة خام، بل هو عامل يغير الحسابات السياسية والعسكرية معاً.
الخلاصة التي يمكن استخلاصها أن ما جرى خلال السنوات الماضية ربما لم يُنه البرنامج النووي الإيراني كما كان يُتصور ، بل أعاد تشكيله ليصبح أكثر تحفظًا، وأكثر سرية، وأكثر اعتمادًا على حماية العنصر الأهم داخله. هذه “الجوهرة” المحفوظة تحت الأرض تحولت من عنصر تقني إلى ورقة ضغط سياسية بامتياز ، جعلت أي مسار دبلوماسي أكثر تعقيدًا ، وأي خيار عسكري أكثر كلفة ، وأي محاولة لفرض شروط قصوى أكثر صعوبة مما كان متوقعاً.



