رصاص قرب البيت الأبيض .. هل بدأت حرب الرسائل لإفشال اتفاق ترامب مع إيران؟

✍️ يوحنا عزمي
في لحظة شديدة الحساسية داخل واشنطن، وبينما كانت الإدارة الأمريكية تقترب من الإعلان عن تفاهم جديد مع إيران قد يغيّر شكل التوازنات في الشرق الأوسط ، وقع حادث إطلاق نار قرب البيت الأبيض بصورة أعادت إلى الواجهة سؤالًا أعمق من مجرد “من أطلق النار؟”، وهو: من المستفيد من بث الرعب في هذه اللحظة تحديداً؟
المشهد لم يكن عابراً كما تحاول الرواية الرسمية تصويره. فالتوقيت وحده كفيل بإثارة الشكوك ؛ ترامب كان داخل البيت الأبيض يتابع اللمسات الأخيرة لمسار تفاوضي حساس ، والإشارات القادمة من واشنطن وطهران وبعض العواصم الإقليمية كانت تؤكد أن هناك انفراجة حقيقية تقترب ، قد تؤدي إلى تهدئة واسعة تشمل وقف التصعيد العسكري ، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز ، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في المنطقة بعد شهور من التوتر والاستنزاف الاقتصادي والسياسي.
لكن أي محاولة لتخفيف التوتر بين واشنطن وطهران تعني بالضرورة سقوط مشروع كامل بُني خلال السنوات الماضية
على فكرة “العدو الإيراني الدائم”. وهنا تظهر إسرائيل باعتبارها الطرف الأكثر قلقاً من أي اتفاق يمكن أن يمنح إيران مساحة للتنفس السياسي أو الاقتصادي ، أو يعيد ترتيب أولويات الولايات المتحدة بعيداً عن سياسة المواجهة المفتوحة.
ما حدث قرب البيت الأبيض لا يمكن فصله عن هذا السياق المتشابك. فحين تُطلق النيران بالقرب من مركز القرار الأمريكي، وفي توقيت يتزامن مع مفاوضات مصيرية ، تصبح الرسالة السياسية أخطر من الرصاص نفسه. الرسالة هنا ليست بالضرورة محاولة اغتيال تقليدية ، بل تذكير بأن أي رئيس أمريكي يحاول كسر قواعد الاشتباك التقليدية في الشرق الأوسط سيدخل فوراً في دائرة الضغط ، وربما الابتزاز السياسي والأمني أيضاً.
الأخطر أن الحادث يكشف حجم الانقسام داخل مؤسسات النفوذ الأمريكية نفسها. فهناك تيار يرى أن التهدئة مع إيران ضرورة لحماية الاقتصاد العالمي ومنع انفجار إقليمي واسع، خاصة بعد الخسائر الضخمة الناتجة عن تعطّل الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة. وفي المقابل، يوجد تيار آخر يعتبر أن أي اتفاق مع طهران هو هزيمة استراتيجية لإسرائيل وتقويض لمشروع الهيمنة الأمنية الذي جرى بناؤه منذ سنوات.
ومن هنا ، يصبح إطلاق النار قرب البيت الأبيض حدثاً يتجاوز البعد الأمني إلى كونه انعكاساً لصراع نفوذ حقيقي داخل الدولة الأمريكية العميقة، بين من يريد إعادة ضبط المنطقة عبر التسويات، ومن يرى أن استمرار الحرب هو الضمان الوحيد لبقاء موازين القوة الحالية.
ورغم عدم وجود دليل قاطع يربط الحادث مباشرة بالمفاوضات، فإن السياسة الأمريكية لا تُقرأ بمنطق المصادفات الساذجة، خصوصاً عندما تجتمع إيران وإسرائيل والبيت الأبيض في مشهد واحد. فواشنطن تاريخياً كانت ساحة للرسائل الخفية بقدر ما هي مركز لصناعة القرار ، وكثير من الأحداث التي بدت فردية في ظاهرها ، اتضح لاحقاً أنها كانت تحمل أبعاداً تتجاوز الروايات الرسمية بكثير.
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة؛ فإذا استمر ترامب في مسار الاتفاق رغم الضغوط، فهذا يعني أن الإدارة الأمريكية قررت إعادة ترتيب أولوياتها حتى لو أغضبت تل أبيب. أما إذا تراجع فجأة وعادت لغة التصعيد، فسيكون ذلك دليلًا على أن الرسالة وصلت ، وأن مراكز القوة التي ترفض أي تهدئة مع إيران ما زالت تملك القدرة على فرض إرادتها داخل واشنطن.



