مقالات

كيف تخدم الصراعات العربية المشروع الإسرائيلي؟

✍️ يوحنا عزمي

ما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم لم يعد مجرد سلسلة من الحروب المنفصلة ، بل أصبح مشهدا شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والإقليمية بصورة تجعل من الصعب أحيانا التمييز بين المعركة الأصلية والمعارك الجانبية التي تولدها. ومع كل تصعيد جديد، يزداد السؤال إلحاحا : من المستفيد الحقيقي من استمرار هذا الاستنزاف الذي يطال الجميع؟

ووفقا لما أعلنته الأطراف المختلفة ، شهدت الساعات الماضية تطورا بالغ الخطورة تمثل في ضربات استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي داخل العراق، وهي خطوة إذا صحت تفاصيلها المعلنة تعكس انتقال الصراع إلى مستوى أكثر حساسية، لأن استخدام القوة العسكرية المباشرة بين أطراف إقليمية داخل أراضي دولة عربية يحمل دلالات تتجاوز الحدث العسكري نفسه، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد قد يصعب احتواؤها لاحقا.

الرواية السعودية استندت إلى مبدأ الدفاع عن النفس، معتبرة أن الضربات جاءت رداً على هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت داخل المملكة، بينما نفت فصائل عراقية مسؤوليتها عن تلك الهجمات، في وقت تحدثت فيه جهات عراقية عن تحقيقات وروايات أخرى بشأن الجهات المنفذة. وبين هذه الروايات المتعارضة ، يبقى المؤكد أن المنطقة تعيش حالة من الضبابية الاستخباراتية، حيث تتعدد الاتهامات ، وتتضارب المعلومات ، ويصبح الوصول إلى الحقيقة الكاملة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

لكن بعيدا عن تفاصيل المسؤوليات المباشرة، فإن القراءة السياسية للمشهد تبدو أكثر أهمية من متابعة تفاصيل كل ضربة أو كل بيان رسمي. فالمشكلة الحقيقية ليست في الضربة نفسها، وإنما في المسار الذي تدفع إليه المنطقة بأكملها. عندما تتحول بوصلة الصراع إلى مواجهات متبادلة بين قوى إقليمية ودول عربية، فإن الجميع يدخل في دائرة استنزاف مفتوحة، بينما تتراجع القضايا الأساسية التي كانت تمثل محور الاهتمام قبل سنوات قليلة.

التاريخ يعلمنا أن أخطر الحروب ليست دائما تلك التي تحقق فيها الأطراف انتصارا سريعا، وإنما تلك التي تستنزف الجميع دون أن يخرج منها أحد بمكاسب حقيقية. فالحروب الطويلة تستهلك الاقتصاد ، وتضعف الجيوش ، وتستنزف الموارد، وتخلق أزمات سياسية واجتماعية تمتد آثارها لعقود، حتى لو توقفت العمليات العسكرية لاحقاً.

ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المحللين أن اتساع رقعة المواجهات الإقليمية يصب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مصلحة إسرائيل ، لأنها كلما انشغلت القوى المحيطة بصراعاتها الخاصة، تراجع حجم الضغوط الواقعة عليها، سواء كانت ضغوطا عسكرية أو سياسية أو دبلوماسية. وهذه ليست بالضرورة نتيجة مؤامرة واحدة بقدر ما هي نتيجة طبيعية لتفكك أولويات الإقليم، حيث يتحول التركيز من الصراع مع إسرائيل إلى صراعات متشابكة بين القوى الإقليمية نفسها.

وفي المقابل، تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، بينما تتواصل التوترات في الضفة الغربية وجنوب لبنان، وهي ملفات لا تزال تثير انتقادات دولية واسعة بسبب آثارها الإنسانية والسياسية. وفي ظل انشغال المنطقة بجبهات جديدة، يخشى كثيرون أن تتراجع هذه الملفات تدريجيا عن صدارة المشهد، وأن يتحول الاهتمام الدولي والإقليمي إلى إدارة الأزمات الجديدة بدلاً من البحث عن حلول للأزمات القائمة.

المفارقة أن المنطقة تمتلك من الأزمات ما يكفيها، لكنها تواصل إنتاج أزمات إضافية بوتيرة متسارعة. وكل جبهة جديدة لا تعني فقط مزيدا من الدمار، بل تعني أيضا إعادة توزيع للموارد العسكرية والاقتصادية والسياسية، بما يجعل فرص الوصول إلى تسويات أكثر صعوبة ، ويزيد من احتمالات توسع دائرة المواجهة إلى أطراف أخرى.

ولهذا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في ضربة عسكرية بعينها، وإنما في تحول التصعيد إلى واقع دائم، تصبح فيه المواجهات المتفرقة هي القاعدة، بينما تغيب أي رؤية واضحة لإنهاء الصراعات أو منع تمددها. وعندما تصل المنطقة إلى هذه المرحلة ، فإن الجميع يدفع الثمن ، بغض النظر عن حجم قوته أو موقعه في خريطة التحالفات.

وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: من أطلق الضربة الأولى؟ وإنما : إلى أين يقود هذا المسار المنطقة إذا استمر بالوتيرة نفسها؟ لأن استمرار دوامة التصعيد دون أفق سياسي واضح قد يجعل الشرق الأوسط أمام مرحلة أكثر اضطرابا، تتراجع فيها فرص الإستقرار ، بينما تتسع رقعة الخسائر التي لن ينجو منها أحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى