أخبار

ماذا بعد الضربة الروسية لقلب الإستخبارات الأوكرانية؟

✍️ يوحنا عزمي

بوتين يرفع سقف المواجهة إلى مستوى جديد.. ضربات روسية دقيقة في قلب العاصمة الأوكرانية كييف، ودخان كثيف يتصاعد من مباني مرتبطة بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأوكرانية، وسط حديث عن استهداف مواقع شديدة الحساسية تقع في قلب منظومة القيادة الأوكرانية.

المشهد هذه المرة مختلف ، فالأمر لا يتعلق بضربة على منشأة عسكرية بعيدة عن مركز العاصمة ، وإنما بضربات طالت مباني مرتبطة بالأمن والاستخبارات ومكافحة التجسس، وعلى مسافة قريبة جداً من وسط كييف، في رسالة تبدو – وفق القراءة الروسية – أبعد بكثير من مجرد تدمير هدف عسكري.

التقارير المتداولة تتحدث عن طائرات مسيرة روسية تمكنت من الوصول إلى مباني شديدة التحصين، فيما أشارت روايات أخرى إلى استخدام صواريخ بالتزامن مع الهجوم، واستهداف منشآت مجاورة مرتبطة بالأجهزة الأمنية الأوكرانية.

وهنا تكمن أهمية المشهد.

إذا صحت المعلومات المتداولة بشأن طبيعة الأهداف التي جرى استهدافها، فإن موسكو تريد أن تقول بوضوح إن التحصينات الأمنية والاستخباراتية في العاصمة الأوكرانية لم تعد ضمانة كافية لحماية القيادات والمنشآت الحساسة.

الرسالة الروسية تبدو أقرب إلى: لا توجد منطقة آمنة داخل أوكرانيا بالنسبة للأهداف التي تعتبرها موسكو جزءًا من منظومة إدارة الحرب ضدها.

والأكثر خطورة أن هذا التصعيد يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع الحديث عن تحركات ومبادرات أمريكية مرتبطة بالملف الأوكراني ، في وقت تستمر فيه الاتصالات المتعلقة بالحرب ومسارات التفاوض بين واشنطن وموسكو وكييف.

أما الحديث عن استهداف رئيس جهاز أمني أو استخباراتي أوكراني بعينه، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة محسومة قبل صدور تأكيد رسمي موثوق بشأن مصيره وموقعه وقت الضربة.

لكن المؤكد أن استهداف منشآت أمنية واستخباراتية بهذا المستوى – إذا ثبتت تفاصيله – يحمل دلالة عسكرية وسياسية كبيرة، لأن أجهزة الاستخبارات تمثل العقل الذي يخطط ويجمع المعلومات وينسق العمليات، وبالتالي فإن ضرب بنيتها التحتية يمثل محاولة لإرباك منظومة اتخاذ القرار قبل أن يكون مجرد استهداف لمبنى.

وفي المقابل، جاءت تصريحات أوكرانية تتحدث عن تصعيد خطير، مع تأكيد التوجه نحو تنفيذ ردود انتقامية ضد روسيا، وهو ما يفتح الباب أمام دائرة جديدة من التصعيد المتبادل.

والأخطر من ذلك أن موسكو لا تبدو وكأنها تحصر رسائلها داخل الحدود الأوكرانية.

فمع تصاعد الدعم العسكري الأوروبي لكييف، تتزايد التحذيرات الروسية للدول الأوروبية التي تشارك في إنتاج أو توريد الأسلحة إلى أوكرانيا، وعلى رأسها ألمانيا، مع تهديدات باستهداف منشآت مرتبطة بالصناعة العسكرية التي تقدم دعمًا للقوات الأوكرانية.

وهنا تتحول القضية من حرب روسية أوكرانية إلى اختبار مباشر لحدود المواجهة بين موسكو والدول الداعمة لكييف، وخاصة دول حلف الناتو.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: إلى أي مدى تستطيع روسيا ضرب العمق الأوكراني؟

بل أصبح: إلى أي مدى يمكن أن تذهب موسكو في استهداف البنية العسكرية والصناعية للدول الأوروبية التي تعتبرها شريكًا مباشرًا في الحرب؟

وهذا هو الجزء الأخطر في المشهد.

فكل ضربة روسية داخل كييف تقابلها ضربة أوكرانية محتملة داخل روسيا، وكل خطوة أوروبية إضافية في دعم أوكرانيا قد تدفع موسكو إلى توسيع قائمة الأهداف التي تعتبرها مشروعة من وجهة نظرها.

وبالتالي فإننا أمام معادلة شديدة الخطورة: حرب بدأت بين روسيا وأوكرانيا، لكنها تقترب تدريجيًا من مناطق تماس أكثر حساسية مع القوى الغربية.

بوتين يريد أن يثبت أن العمق الأوكراني ليس محصناً، وأن القيادات والمنشآت التي تعتبرها موسكو جزءًا من إدارة الحرب يمكن الوصول إليها.

وفي المقابل، تريد كييف إثبات أنها قادرة على الرد داخل الأراضي الروسية وعدم السماح بتحويل الحرب إلى عملية أحادية الاتجاه.

وبين الرسالتين، تتراجع مساحة الأمان ويزداد خطر الخطأ في الحسابات.

لذلك فإن المشهد الحالي لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد ليلة جديدة من القصف الروسي على كييف، بل باعتباره مؤشراً على مرحلة أكثر خطورة في الحرب؛ مرحلة تتداخل فيها الاستخبارات مع العمليات العسكرية ، وتقترب فيها الضربات من مراكز القرار، بينما تتسع دائرة التحذيرات الروسية لتشمل دولًا أوروبية بشكل مباشر.

والرسالة التي تحاول موسكو إيصالها تبدو واضحة: كل من تعتبره جزءًا من منظومة إدارة الحرب أو دعمها قد يصبح هدفاً محتملًا.

وهنا تحديداً تكمن الخطورة الحقيقية..

لأن أخطر ما في الحروب ليس فقط قوة الصواريخ، وإنما اللحظة التي تبدأ فيها الأطراف في توسيع تعريف “الهدف المشروع” إلى درجة قد تجعل أي خطأ في الحسابات شرارة لمواجهة أكبر بكثير من حدود أوكرانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى