أمريكا تمدد وجودها حتى 2027 .. وإسرائيل تلوّح بتهجير غزة : هل تُفتح أبواب التصعيد الأكبر في الشرق الأوسط؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
هناك خبران لافتان ومقلقان ظهرا خلال 24 ساعة فقط، أحدهما نُسب إلى وزير الدفاع الأمريكي ، والآخر إلى وزير الدفاع الإسرائيلي ، والمشكلة ليست فقط في مضمون كل تصريح على حدة ، وإنما في الصورة التي يمكن أن تتشكل عندما نضع التصريحين إلى جوار بعضهما البعض ونحاول قراءة ما بين السطور.
التصريح الأول يتحدث عن توجه الولايات المتحدة إلى تمديد انتشار قواتها العسكرية في الشرق الأوسط حتى نهاية عام 2027، في إطار استراتيجية عسكرية مفتوحة تمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات متعددة في التعامل مع ملفات الصراع بالمنطقة، مع وجود عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وإمكانية زيادة هذا العدد وفقاً لتطورات الموقف.
أما التصريح الثاني، فيتعلق بالموقف الإسرائيلي من قطاع غزة، حيث تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي عن سعي إسرائيل إلى دعم ترامب في خطة تستهدف إخراج الفلسطينيين من القطاع، معتبراً أن ما جرى منذ أكتوبر 2023 جعل ، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، مسألة “الحل النهائي” مرتبطة بإبعاد الفلسطينيين عن غزة.
وهنا تحديداً تبدأ أهمية قراءة المشهد بعيداً عن التصريحات المباشرة.
فوجود تصريح أمريكي يتحدث عن بقاء عسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط، بالتزامن تقريباً مع تصريح إسرائيلي يتحدث عن مرحلة جديدة في التعامل مع غزة، لا يكفي وحده للقول إن هناك اتفاقاً سرياً أو تنسيقاً عسكرياً مباشراً بين الطرفين ، لكن التزامن يفرض سؤالًا منطقياً : لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى الحفاظ على هذا المستوى من الانتشار العسكري في المنطقة خلال السنوات المقبلة، وما طبيعة السيناريوهات التي تريد واشنطن أن تظل مستعدة للتعامل معها؟
الإجابة لا يمكن اختزالها في ملف واحد.
فالشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة لم يعد يعيش أزمة منفردة يمكن احتواؤها داخل حدود دولة واحدة. نحن أمام شبكة مترابطة من الأزمات تمتد من إيران إلى الخليج ، ومن غزة إلى الضفة الغربية ، ومن جنوب لبنان إلى البحر الأحمر ، فضلًا عن الملفات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وبالتالي، فإن استمرار الوجود العسكري الأمريكي حتى 2027 يمكن قراءته باعتباره استعداداً مفتوحاً لمجموعة واسعة من السيناريوهات، وليس بالضرورة دليلًا على أن حرباً واحدة بعينها ستستمر حتى ذلك التاريخ.
لكن هنا تكمن الخطورة.
لأن وجود قوة عسكرية أمريكية كبيرة في المنطقة لا يعني فقط امتلاك واشنطن القدرة على الردع، وإنما يعني أيضًا امتلاكها هامشاً أوسع للتحرك إذا انتقلت الأزمات من مرحلة الضغط السياسي والاقتصادي إلى مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة.
وإذا أضفنا إلى ذلك استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران ، ومحاولات عزل النظام الإيراني ودفعه إلى تقديم تنازلات استراتيجية ، فإن احتمالات التصعيد غير المباشر تظل قائمة، سواء عبر الوكلاء أو الممرات البحرية أو القواعد العسكرية أو أمن الطاقة.
وهنا يصبح الوجود الأمريكي جزءًا من معادلة إقليمية أكبر بكثير من مجرد حماية المصالح الأمريكية.
إسرائيل أيضاً تنظر إلى هذا الانتشار من زاوية مختلفة.
ففي حال استمرار العمليات العسكرية في غزة، أو توسع المواجهة في جنوب لبنان، أو انتقال الصراع إلى ساحات إقليمية أخرى، فإن وجود القوات الأمريكية يمنح إسرائيل عنصراً إضافياً من عناصر الردع والحماية ، ويقلل من مخاطر أن تجد نفسها أمام مواجهة إقليمية واسعة دون مظلة أمريكية عسكرية واضحة.
والأخطر من ذلك أن تحويل غزة إلى مساحة غير قابلة للحياة بفعل الحرب والدمار قد يصبح، في بعض التصورات السياسية المتطرفة، وسيلة ضغط لدفع السكان إلى النزوح ، ثم تحويل النزوح المؤقت إلى واقع دائم.
وهنا يجب أن نكون شديدي الحذر في قراءة المصطلحات.
فالتهجير القسري ليس مجرد نتيجة جانبية للحرب، وإنما إذا جرى التخطيط له أو استخدام القوة لإجبار المدنيين على ترك أرضهم، فإنه يتحول إلى قضية سياسية وقانونية وإنسانية بالغة الخطورة، ويختلف جذرياً عن عمليات الإجلاء المؤقت التي تفرضها ظروف الحرب.
والقصة لا تتوقف عند غزة.
جنوب لبنان يظل جزءًا أساسياً من المعادلة ، لأن أي توسع في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله يمكن أن يعيد فتح جبهة شديدة الحساسية، وقد تتحول هذه الجبهة في ظروف معينة إلى عنصر إضافي في صراع إقليمي أوسع.
ومن هنا، فإن زيادة الحضور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة ، إذا حدثت بالفعل ، ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها رقمًا عسكرياً مجرداً ، بل باعتبارها مؤشراً على أن واشنطن تريد الاحتفاظ بحرية حركة واسعة في منطقة قد تدخل خلال الفترة المقبلة مرحلة شديدة التقلب.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية ، وهو البعد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة وإسرائيل.
ترامب يحتاج إلى تقديم نفسه باعتباره الرئيس القادر على إدارة الملفات الكبرى وحسم الأزمات التي ورثها أو دخل فيها ، بينما يواجه بنيامين نتنياهو بدوره ضغوطًا سياسية داخلية هائلة، ويحتاج إلى إظهار نتائج يمكن تقديمها أمام الرأي العام الإسرائيلي باعتبارها انتصاراً استراتيجياً.
وهنا تصبح الحرب، للأسف، قابلة للتحول من مجرد أداة عسكرية إلى ورقة سياسية.
كلما ارتفعت الضغوط الداخلية، زادت الحاجة إلى تحقيق إنجاز يمكن تسويقه سياسياً ، سواء كان ذلك في إيران أو غزة أو جنوب لبنان.
وهذا هو الجزء الذي يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية.
لأن الاستقرار يحتاج إلى قرارات سياسية شجاعة، بينما التصعيد في بعض الأحيان يمكن أن يمنح السياسيين مساحة أكبر للهروب من أزماتهم الداخلية، أو إعادة ترتيب المشهد السياسي حول فكرة “الخطر الخارجي”.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط : هل ستزداد أعداد القوات الأمريكية في المنطقة؟
السؤال الأهم هو : ما السيناريو الذي تستعد هذه القوات للتعامل معه؟
هل هو الردع ومنع الحرب؟
أم الاستعداد لحرب محتملة؟
أم حماية القواعد والممرات البحرية والمنشآت الحيوية؟
أم دعم حلفاء واشنطن إذا توسعت المواجهة؟
أم كل ذلك في الوقت نفسه؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تشغلنا، لأن المنطقة لم تعد تتحرك وفق جبهة واحدة أو أزمة واحدة ، وإنما وفق منظومة صراعات متشابكة، يمكن أن يؤدي اشتعال أحدها إلى إشعال الأخرى.
ولهذا أكرر دائمًا أن أخطر ما يحدث في الشرق الأوسط ليس فقط حجم الدمار الحالي، وإنما المشاريع السياسية التي يمكن أن تُبنى فوق هذا الدمار.
إسرائيل تمتلك مشروعاً استراتيجياً واضح المعالم لحماية أمنها وتعظيم نفوذها وإعادة تشكيل البيئة المحيطة بها وفقاً لمصالحها، والولايات المتحدة تمتلك مصالحها واستراتيجيتها الخاصة، وإيران لديها مشروعها الإقليمي ، وتركيا لديها حساباتها ، والدول العربية لديها أمنها القومي ومصالحها.
لكن الفارق أن بعض هذه المشاريع لا يتوقف عند حدود دولة بعينها ، وإنما يسعى إلى إعادة تشكيل الإقليم كله.
وهنا يجب أن نتوقف عن التعامل مع الأخبار باعتبارها تصريحات منفصلة.
تصريح هنا، وخبر هناك، وتحرك عسكري في مكان ثالث، وعقوبات اقتصادية في مكان رابع، كلها قد تبدو أحداثاً منفصلة، لكنها عندما تتكرر وتتقاطع تبدأ في تشكيل صورة استراتيجية واحدة.
ومن وجهة نظري ، فإن أخطر خطأ يمكن أن نقع فيه خلال المرحلة المقبلة هو أن ننظر إلى كل أزمة باعتبارها أزمة منفصلة.
ما يحدث في إيران مرتبط بأمن الخليج.
وما يحدث في غزة مرتبط بمستقبل القضية الفلسطينية.
وما يحدث في جنوب لبنان مرتبط بأمن إسرائيل وحدودها الشمالية.
وما يحدث في البحر الأحمر مرتبط بالتجارة العالمية والطاقة.
ووجود القوات الأمريكية مرتبط بكل هذه الملفات بدرجات مختلفة.
لذلك، فإن المنطقة أمام مرحلة لا أعتقد أنها ستشهد استقراراً حقيقياً وسريعاً، بل أمام فترة طويلة من إعادة ترتيب الأوراق، والضغط، والردع، والتهديد، وربما العمليات العسكرية المحدودة أو الواسعة بحسب تطورات الأحداث.
وأنا لا أقول إن الحرب الشاملة حتمية، ولا أقول إن كل ما يحدث يجري وفق خطة واحدة مغلقة ، لأن السياسة الدولية أكثر تعقيداً من ذلك.
لكنني أقول إن المؤشرات المتراكمة تستحق أن تُقرأ بجدية، وأن ننتبه إلى الاتجاه العام للمشهد ، لا إلى الخبر المنفرد.
وفي النهاية، هناك حقيقة يجب ألا تغيب عن أعيننا : الشعوب هي التي تدفع ثمن الصراعات عندما تتحول الحسابات السياسية والاستراتيجية إلى حروب مفتوحة.
ولهذا فإن فهم ما يحدث ليس رفاهية ، وإنما ضرورة.



