مقالات

الحرب الروسية الأوكرانية تقترب من عامها الخامس.. هل يملك بوتين شجاعة إنهاء الحرب قبل أن تتحول إلى كارثة نووية؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

تقترب الحرب الروسية الأوكرانية من إكمال عامها الخامس، بعد أن تحولت من عملية عسكرية كان يفترض أن تحسمها موسكو خلال فترة زمنية قصيرة إلى واحدة من أطول وأعقد حروب الاستنزاف التي شهدتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. خمس سنوات تقريبًا من القتال، والدمار، والعقوبات، واستنزاف الموارد، وسقوط أعداد هائلة من القتلى والجرحى، من دون أن يتمكن أي من طرفي الصراع من تحقيق نصر عسكري حاسم يسمح له بفرض شروطه وإنهاء الحرب وفق رؤيته الخاصة.

والأخطر من طول أمد الحرب ليس فقط استمرار المعارك على الأرض، وإنما انسداد المسارات السياسية التي كان يُفترض أن تقود في النهاية إلى تسوية تنهي هذا الصراع. فكلما طال أمد الحرب، أصبحت مساحة المناورة أمام الأطراف أضيق، وأصبح التراجع أكثر تكلفة سياسياً وعسكرياً ، وتحولت التسوية من قرار يمكن اتخاذه بسهولة إلى اختبار حقيقي لشجاعة القيادات وقدرتها على الاعتراف بأن استمرار الحرب قد يكون أكثر خطورة من التنازل عن جزء من الأهداف التي أُعلنت في بدايتها.

وفي هذا السياق، تزداد خطورة ما يتردد من تقارير وتكهنات بشأن احتمال لجوء روسيا إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية في حال وصلت القيادة الروسية إلى قناعة بأن جميع الخيارات التقليدية والسياسية قد استنفدت. وهنا تحديداً يجب التوقف طويلًا أمام هذه الفكرة، لأنها لا تمثل مجرد تصعيد عسكري جديد، وإنما تعني انتقال الصراع إلى مستوى مختلف تماماً، يمكن أن تتغير معه قواعد اللعبة الدولية بأكملها.

وفي تقديري، فإن استخدام السلاح النووي في أوكرانيا، إذا حدث، سيكون قراراً بالغ الخطورة وقد يتحول إلى خطأ استراتيجي تاريخي بالنسبة إلى روسيا، مهما كانت قوتها العسكرية والنووية. فامتلاك الدولة لترسانة نووية ضخمة لا يعني أن استخدامها في كل الظروف يمثل خياراً رابحاً ، لأن السلاح النووي ليس مجرد أداة عسكرية لتحقيق مكسب ميداني ، وإنما هو سلاح يحمل في ذاته تداعيات سياسية واستراتيجية وأمنية تتجاوز حدود ساحة المعركة.

المشكلة الحقيقية أن استخدام سلاح نووي تكتيكي في أوكرانيا لن يضمن بالضرورة إنهاء الحرب ، بل قد يؤدي إلى عكس ذلك تماماً. فمن الصعب تصور أن الغرب ، وحلف شمال الأطلسي تحديداً ، سينظر إلى مثل هذه الخطوة باعتبارها مجرد تطور ميداني عابر يمكن احتواؤه بسهولة. وقد يؤدي استخدامها إلى رد غربي واسع، وربما إلى سلسلة من خطوات التصعيد التي يصعب على أي طرف السيطرة على مسارها أو معرفة نقطة نهايتها.

وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد مواجهة روسية أوكرانية؛ لأن أي تصعيد نووي بين روسيا والغرب يمكن أن يضع العالم أمام أخطر أزمة استراتيجية منذ الحرب الباردة. وفي الحروب الكبرى  لا تكمن الكارثة دائمًا في القرار الأول، وإنما في القرارات المتتابعة التي تُتخذ بعده تحت ضغط الخوف والرغبة في الردع واستعادة الهيبة ومنع الخصم من تحقيق مكاسب إضافية.

ولهذا فإن أي رسائل تحذيرية متبادلة بين موسكو وواشنطن، أو بين روسيا والدول الأوروبية، يجب التعامل معها بأقصى درجات الجدية، لأن الهدف الحقيقي منها في هذه المرحلة ليس فقط الضغط السياسي، وإنما محاولة منع سوء التقدير. وفي الأزمات النووية تحديداً ، قد يكون سوء تقدير واحد كافياً لدفع أطراف تمتلك قدرات تدميرية هائلة إلى مسار لا يستطيع أحد التراجع عنه بسهولة.

أما أوكرانيا، فقد أصبحت منذ سنوات في قلب مواجهة أكبر من حدودها الجغرافية. والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يدرك أن استمرار قدرة بلاده على مواصلة القتال يرتبط بدرجة كبيرة باستمرار الدعم الغربي، سواء في صورة أسلحة ومساعدات مالية أو معلومات استخباراتية وتدريب ودعم لوجيستي وسياسي. ولذلك فمن الصعب النظر إلى الحرب اليوم باعتبارها مواجهة روسية أوكرانية منفصلة عن الصراع الأوسع بين موسكو والمنظومة الغربية.

لكن، في رأيي، تبقى المشكلة الأكبر في موسكو نفسها، وتحديداً أمام الرئيس فلاديمير بوتين الذي يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف ينهي الحرب دون أن يبدو أمام الداخل الروسي وكأنه خرج منها مهزوماً ، ودون أن يتخلى عن المطالب والأهداف التي ربط بها قراره بالحرب منذ بدايتها؟

وهذه هي المعضلة الحقيقية.

فالحرب يمكن أن تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي بالضرورة بالقرار نفسه. وفي كثير من الأحيان، تكون لحظة الخروج من الحرب أكثر صعوبة من لحظة الدخول إليها، لأن القيادة تصبح أسيرة للخطاب الذي تبنته، وللأهداف التي أعلنتها، وللتضحيات التي قدمها الجيش والمجتمع، وللصورة التي تريد الحفاظ عليها أمام شعبها والعالم.

ومن هنا يمكن فهم حجم المأزق الروسي الحالي. فموسكو دخلت الحرب وهي تريد إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها، ومنع أوكرانيا من التحول إلى قاعدة متقدمة للغرب، وتقليص نفوذ حلف الناتو بالقرب من حدودها. لكن المفارقة التاريخية أن الحرب أنتجت، في بعض جوانبها، نتائج عكسية تماماً.

فبدلًا من إبعاد الناتو عن الحدود الروسية ، ساهمت الحرب في تعزيز تماسك الحلف ورفع مستوى التعاون العسكري بين دوله، كما دفعت دولًا أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية والإنفاق العسكري، وأعادت الأمن الأوروبي إلى صدارة أولويات الحكومات الغربية بعد سنوات طويلة من الاعتقاد بأن الحروب الكبرى في القارة أصبحت من الماضي.

وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات الحرب الأوكرانية : الهدف الاستراتيجي الذي أرادت موسكو تحقيقه لم يتحقق بالصورة التي كانت تتوقعها، بينما جاءت الحرب نفسها بتحديات جديدة لم تكن بالضرورة ضمن الحسابات الأولى للقيادة الروسية.

كما أن الرهان على قدرة الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب، على إنهاء الحرب بسرعة، لم يتحول حتى الآن إلى التسوية الحاسمة التي كان البعض يتوقعها. فالتصريحات السياسية شيء، والقدرة على فرض تسوية على أطراف الحرب شيء آخر تماماً. الولايات المتحدة تستطيع ممارسة ضغوط هائلة، لكنها لا تستطيع ببساطة أن تأمر موسكو وكييف بالتوقف عن القتال ثم تضمن التزام الطرفين بذلك.

وهنا يجب أن نكون أكثر واقعية في قراءة السياسة الدولية؛ فالدول الكبرى لا تتحرك فقط بناءً على الوعود أو التصريحات، وإنما وفق حسابات المصالح والأمن القومي وموازين القوة. وكل طرف في هذه الحرب لديه خطوط حمراء وأهداف ومخاوف، وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية نهائية أكثر تعقيداً بكثير من مجرد عقد اجتماع بين القادة أو إصدار بيان سياسي.

وفي النهاية، قد تكتشف موسكو أن الحرب التي كان الهدف منها إعادة رسم بعض التوازنات الاستراتيجية أصبحت نفسها مصدراً لاستنزاف اقتصادي وعسكري وسياسي متواصل. ومع مرور الوقت، تصبح كلفة الاستمرار أكبر، بينما تتراجع تدريجياً قيمة المكاسب الإضافية التي يمكن تحقيقها على الأرض مقارنة بحجم الخسائر المطلوبة لتحقيقها.

وهنا تحديداً أعتقد أن بوتين يحتاج إلى التفكير ليس فقط في كيفية تحقيق مكسب جديد، وإنما في كيفية تحويل ما تحقق بالفعل إلى تسوية سياسية تحفظ لروسيا أكبر قدر ممكن من مصالحها.

فالسياسة ليست امتداداً للحرب إلى ما لا نهاية، وإنما هي في النهاية فن تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار.

ولهذا فإن الخيار الأكثر عقلانية أمام موسكو، في تقديري، ليس التصعيد إلى مستوى نووي، وإنما المبادرة إلى طرح وقف إطلاق نار جاد وشامل، والدخول في مفاوضات سياسية مباشرة وغير مباشرة مع أوكرانيا، على أن تكون التسوية مبنية على ترتيبات أمنية واضحة تأخذ في الاعتبار المخاوف الروسية والأوكرانية في الوقت نفسه، وتضمن عدم تحول الاتفاق إلى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من القتال.

وقد يكون وجود ضمانات دولية، وربما إطار أممي واضح، جزءاً  من أي تسوية مستقبلية، خصوصاً أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالأراضي المتنازع عليها ، وإنما أيضاً بمستقبل الأمن الأوروبي، ووضع أوكرانيا، وعلاقة روسيا بحلف الناتو، وترتيبات الانتشار العسكري على حدود الدول المتجاورة.

والتاريخ نفسه يقدم دروسًا مهمة في هذا المجال. فالولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية الهائلة، اضطرت في مراحل مختلفة إلى إنهاء حروب طويلة ومكلفة، عندما أصبحت كلفة الاستمرار أكبر من العائد السياسي المتوقع. ومن كوريا إلى فيتنام والعراق وأفغانستان، أثبت التاريخ الأمريكي أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع دائماً إنتاج نهاية سياسية مرضية، وأن الدولة الكبرى قد تحتاج في لحظة معينة إلى الاعتراف بأن الانسحاب المنظم والتسوية السياسية يمكن أن يكونا أكثر عقلانية من الاستمرار في حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة.

وهذا الدرس لا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل ينطبق على جميع القوى الكبرى.

فالمشكلة في النهاية ليست فقط كم كيلومتراً إضافياً تستطيع القوات الروسية السيطرة عليه، أو كم مدينة تستطيع القوات الأوكرانية الدفاع عنها، وإنما السؤال الأهم: ما شكل النهاية التي يمكن أن تقبل بها الأطراف دون أن تتحول التسوية إلى مجرد استراحة قبل حرب جديدة؟

وهنا يجب ألا يغيب البعد الإنساني عن الحسابات السياسية والعسكرية. فخلف الخرائط وخطوط الجبهة والأرقام العسكرية توجد مجتمعات كاملة تدفع ثمن الحرب يومياً. وهناك جيل كامل من الشباب الروس والأوكرانيين فقد حياته أو أصيب أو تغير مستقبله بسبب حرب كان يفترض في الأصل أن تكون لها نهاية سياسية في مرحلة ما.

والأخطر أن استمرار الحرب لسنوات إضافية لن يعيد بالضرورة ما فقده أي طرف ، ولن يضمن تحقيق كل الأهداف التي أعلنتها القيادات السياسية في بداية الصراع. بل قد يؤدي إلى مزيد من القتلى والدمار، واستنزاف اقتصادي أعمق، وتوتر أمني أكبر في أوروبا، وربما أخطر من ذلك كله، زيادة احتمالات الوقوع في خطأ استراتيجي لا يمكن إصلاحه.

لهذا أرى أن الشجاعة السياسية الحقيقية لبوتين في هذه اللحظة لا تتمثل في رفع سقف التصعيد، ولا في التفكير في السلاح النووي، ولا في محاولة تحقيق نصر كامل ومستحيل سياسياً وعسكرياً، وإنما في امتلاك القدرة على اتخاذ قرار السلام عندما تكون الحرب قد استنفدت معظم أغراضها الممكنة.

إن إنهاء الحرب ليس بالضرورة اعترافاً بالهزيمة، كما أن استمرارها ليس بالضرورة دليلًا على الانتصار.

أحياناً يكون أعظم انتصار للدولة هو أن تعرف متى تتوقف.

وإذا كانت روسيا قد دخلت هذه الحرب دفاعًا عن تصورها لأمنها القومي ومكانتها الدولية ، فإن عليها الآن أن تبحث عن مخرج سياسي يحفظ مصالحها الأساسية، ويمنع تحول الصراع إلى حرب مفتوحة بين القوى النووية، ويعيد لأوروبا قدراً من الاستقرار الذي فقدته منذ بداية هذه الأزمة.

العالم لا يحتاج إلى حرب عالمية جديدة كي يكتشف أن الحروب لا تملك دائمًا نهايات يمكن التحكم فيها.

ويحتاج بوتين، قبل أي شيء آخر، إلى أن يتذكر أن التاريخ لا يحاسب القادة فقط على الحروب التي خاضوها، وإنما أيضًا على قدرتهم على معرفة اللحظة التي يجب أن تتوقف فيها الحرب.

ولعل القرار الأكثر شجاعة في هذه اللحظة هو أن يقال: كفى.

أن تتوقف البنادق، وتبدأ المفاوضات، وتُفتح أبواب التسوية، ويُمنح الشعبان الروسي والأوكراني فرصة للعودة إلى الحياة بدلًا من استمرار دفعهما نحو حرب استنزاف لا يبدو أن لها نهاية عسكرية واضحة.

فأوروبا لا تحتاج إلى انتصار روسي أو أوكراني بقدر ما تحتاج إلى نهاية لهذه الحرب.

والعالم كله يحتاج إلى أن تبقى الأسلحة النووية مجرد أدوات ردع في مخازن الدول ، لا أن تتحول إلى أدوات اختبار على أرض المعركة.

فالسلام، مهما كان صعبًا ومكلفًا سياسيًا، يظل أقل كلفة بكثير من حرب لا يعرف أحد إلى أين يمكن أن تصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى