ابداعات

الفنان الذي ابتلعته الحرب

وائل الهاشمي

 

في العشرين من أبريل عام 1889، لم يكن العالم يدرك أنه على موعد مع ولادة رجل سيترك، بعد عقود، ندبة عميقة في جسد التاريخ.
في بلدة صغيرة تدعى بروناو آم إن، الواقعة على الحدود بين النمسا وألمانيا، جاء إلى الدنيا طفل اسمه أدولف؛ طفل لم يحمل عند ولادته سوى ملامح عادية وحياة تبدو كغيرها من حيوات الأطفال، لكن اسمه سيصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا في صفحات التاريخ دموية.

كان أبوه ألويس هتلر موظفًا في الجمارك، رجلًا صارمًا قوي الحضور، فرض هيبته داخل المنزل، بينما كانت أمه كلارا تمثل الوجه الآخر للعائلة؛ أكثر قربًا وحنانًا من أبنائها، وبقيت علاقتها بأدولف ذات أثر واضح في سنواته الأولى.

وهكذا بدأت الحكاية، من منزل متواضع، وأب شديد الصرامة، وأم أحاطت ابنها بالحنان، وطفل لم يكن أحد يستطيع أن يتنبأ بأن الأيام ستدفع به من هامش الحياة إلى قلب واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا ودموية في القرن العشرين.
كان هتلر يحلم بالفن، لم يكن يتخيل نفسه موظفًا أو رجل أعمال، بل فنانًا يعيش بين اللوحات والعمارة.

وبعد وفاة والده عام 1903، ثم وفاة والدته عام 1907، وجد نفسه وحيدًا في مواجهة الحياة، فانتقل إلى فيينا محاولًا الالتحاق بأكاديمية الفنون الجميلة.
لكن الحلم اصطدم بالواقع.
رفض طلبه للالتحاق بالأكاديمية، ولم تكن فيينا المدينة التي منحته المجد الذي تخيله.
عاش سنوات صعبة، متنقلًا بين أعمال بسيطة وظروف مادية قاسية، بينما كانت أوروبا نفسها تغلي تحت سطحها بصراعات اجتماعية وسياسية وقومية متزايدة.

وفي عام 1913، غادر هتلر فيينا متجهًا إلى ميونيخ، وبعد عام واحد اندلعت الحرب العالمية الأولى.
هناك، في خنادق الحرب، كان الفتى الذي حلم يومًا بأن يصبح فنانًا يقترب من عالم آخر تمامًا.
عالم لن يخرج منه كما دخل.
وفي عام 1914 التحق بالجيش الألماني، وخدم على الجبهة الغربية، وأصيب أكثر من مرة، كما تعرض لهجوم بالغاز أصابه بالعمى المؤقت عام 1918.

خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الأولى وهي تحمل على كتفيها ثقل الهزيمة، وفي داخلها تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كأنها طبقات من الرماد فوق وطن أنهكته الحرب.
كان الغضب يتسع، والخوف يتسلل إلى الشوارع، والثقة في المستقبل تتآكل يومًا بعد آخر.
وفي قلب ذلك المشهد المضطرب، ظهر أدولف هتلر؛ خطيبًا عرف كيف يلتقط غضب الجماهير، ويخاطب مخاوفها، ويحول الإحباط المتراكم إلى خطاب سياسي يقوم على القومية المتطرفة وكراهية الخصوم والأقليات.

وبخطوات متدرجة، خرج من هامش الحياة السياسية إلى قلبها، حتى أصبح قائدًا للحزب النازي، ثم وصل إلى منصب مستشار ألمانيا عام 1933.
لكن وصوله إلى السلطة لم يكن نهاية الحكاية، بل كان بداية أكثر فصولها ظلمة. فما إن استقرت السلطة في يديه حتى بدأ تفكيك المؤسسات الديمقراطية وترسيخ الحكم الديكتاتوري، لتدخل ألمانيا طريقًا قاد إلى الحرب العالمية الثانية، وإلى واحدة من أكثر صفحات التاريخ الإنساني دموية.

وخلف ذلك الطريق كانت هناك جرائم واضطهادات واسعة النطاق؛ إذ نفذ النظام النازي سياسات اضطهاد وقتل ممنهجة، كان أبرزها المحرقة النازية، التي قتل خلالها نحو ستة ملايين يهودي، إلى جانب ملايين آخرين من ضحايا الاضطهاد والقتل النازي.
وهكذا، لم يعد اسم هتلر مجرد اسمٍ في سجل رجل صعد من الهامش إلى السلطة؛ بل أصبح مرتبطًا بمرحلة غيرت وجه أوروبا، وتركت في ذاكرة الإنسانية جرحًا لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.

في عام 1923، قرر هتلر وأنصاره أن يختصروا الطريق إلى السلطة؛ فبدل أن ينتظروها، حاولوا انتزاعها بالقوة.
لكن المحاولة انهارت.
فشل الانقلاب، وتبددت الخطة، وانتهى هتلر خلف القضبان.
وكان يمكن للحكاية أن تغلق صفحاتها عند تلك النقطة؛ رجل مغمور حاول أن يهز نظامًا كاملًا، فسقطت محاولته وسقط معها هو.

لكن التاريخ لا يغلق أبوابه دائمًا عند الصفحة التي نظنها الأخيرة.
داخل السجن، لم يتوقف هتلر عن التفكير في السلطة، بل أعاد صياغة الطريق إليها. هناك كتب أجزاء من كتابه (كفاحي)، الذي عرض فيه أفكاره السياسية والعنصرية والتوسعية، وكشف عن المشروع الذي أراد أن يبني عليه مستقبله السياسي.
ثم خرج من السجن.
لكن الرجل الذي خرج لم يكن يسلك الطريق نفسه الذي دخل به.
لقد أدرك أن القوة وحدها قد تفتح مواجهة، لكنها لا تضمن السيطرة؛ وأن الباب الذي عجز عن اقتحامه بالقوة يمكن أن يفتح بوسائل أخرى.

هذه المرة، لم يندفع إلى الشوارع حاملًا حلم السلطة على ظهر دبابة.
لقد تعلم الدرس.
ففي المرة الأولى حاول أن يكسر الباب، فانكسر هو خلفه.
أما الآن، فقد اختار طريقًا آخر.
إذا كان الباب مغلقًا، فلا داعي لتحطيمه، ربما يكفي أن تدخل من الباب نفسه، ثم تغير البيت كله.
وكانت ألمانيا، في تلك اللحظة، تقف فوق أرضٍ مهتزة.

جاء الكساد الاقتصادي العالمي كعاصفة لم تترك شيئًا في مكانه.
ارتفعت البطالة، واتسعت دوائر الفقر، وتآكلت ثقة الناس في النظام السياسي، وأصبح اليأس أكثر حضورًا من الأمل.
وفي قلب تلك الفوضى، وجد الخطاب النازي أرضًا خصبة لينمو.

لم يكن هتلر يقدم للناس برنامجًا سياسيًا هادئًا بقدر ما كان يقدم لهم حلمًا مشحونًا بالغضب:
ألمانيا ستستعيد قوتها.
في يناير 1933، عين الرئيس بول فون هيندنبورغ أدولف هتلر مستشارًا لألمانيا.
بعد وصوله إلى منصب المستشار، لم يستغرق هتلر طويلًا في تفكيك النظام الديمقراطي من الداخل.
حريق الرايخستاغ، تعليق الحريات، قمع الخصوم، قانون التمكين، ثم إلغاء الأحزاب الأخرى.

وفي الأول من سبتمبر 1939، عبرت القوات الألمانية حدود بولندا.
اشتعلت الحرب العالمية الثانية في أوروبا.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الخريطة الأوروبية تتحول أمام أعين العالم، دول تسقط، حدود تمحى، مدن تحترق، وجنود لا يعودون إلى بيوتهم.
اجتاحت القوات الألمانية أجزاء واسعة من أوروبا.

لم تكن الكارثة مجرد حرب.
كانت هناك جريمة أكبر من الحرب نفسها.
الهولوكوست.
اضطهد النظام النازي اليهود اضطهادًا منهجيًا، ثم تحول الاضطهاد إلى عمليات قتل جماعي وإبادة.
قتل نحو ستة ملايين يهودي خلال الهولوكوست.
وبعبارة هتلرالشهيرة: (كان بإمكاني قتل جميع اليهود، لكنني تركت بعضهم أحياء حتى يعرف العالم لماذا قتلتهم).

وفي أبريل 1945، كان الرجل الذي ملأ أوروبا بخطبه يعيش مختبئًا تحت الأرض.
الرجل الذي تحدث عن الإمبراطوريات أصبح محاصرًا في غرفة، لم يعد قادرًا على السيطرة حتى على المدينة التي تحصن فيها.
وفي الخارج، كانت برلين تسقط.

وفي 30 أبريل 1945، انتحر هتلر داخل مخبئه في برلين.
وبعد أيام قليلة، استسلمت ألمانيا، وانتهت الحرب في أوروبا.
وهكذا سقط الرجل الذي أراد أن يكتب تاريخ العالم بيده.
دخل السياسة من الباب، وأغلق الأبواب خلفه.
بنى حول نفسه صورة القائد الذي لا يهزم، فانتهى محاصرًا تحت الأرض.
وأراد أن يجعل اسمه خالدًا في التاريخ، فخلد التاريخ اسمه، ولكن بوصفه جزءًا من واحدة من أكثر مراحله دموية ودمارًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى