
يجلسُ وحيدًا في أريكته العتيقة، يرتشف القليل من الشاي البارد، يُقلب بين قنوات التلفاز بعدم اهتمام، بينما يُعلق ناظريه على تاريخ اليوم فوق الحائط « الثامن من مارس»
يُذكره هذا التاريخ بالكثير والكثير من الحوادث، فبه وُلِد وبه سوف يموت، تمامًا كما قالت له العرافة قبل أسابيع قليلة. هل أصيب بالذعر؟
لا لم يفعل، وهذا ما تَعجبه في نفسه. هل وصل به الأمر لعدم الاهتمام بالحياة والموت؟
حسنًا كل هذا لا يهم، المهم بالأمر هو ذاك الإعلان الذي ظهر فجأة على شاشة التلفاز. رحلة شيقة إلى عالم السبعينات، حيث الألوان المميزة والهواتف السلكية الطويلة. حيثما تجد مصر كما كانت في ذاك الوقت مملوءة بالأشجار الوارفة، والهواء النقي، والمباني ذات الطابع الروحي الخفيف _والذي افتقرت إليه بناياتنا هذه الأيام_
رحلة لمدة سبعة أيام، بتكلفة اجاملية 500 جنية للفرد الواحد، ستتكفل الرحلة بكل شيء وأنت فقط عليك الاستماع، وإن أردت المشاركة فعليك القدوم يوم السبت القادم في السابع من مارس أمام الحديقة العامة بمدينة دمياط.
وانتظرونا..
هكذا انتهى الاعلان بينما ظل هو مُحدقًا فيه بذهول. لم يكن من هواة الرحلات يومًا، ولم يذهب في احداها من قبل. نظر إلى الساعة المُعلقة على الحائط والتي تُشير إلى تمام الثامنة مساءًا، ثم نظر إلى باب الشقة يُدرك منه أنه لن يُطرق اليوم ولن يأتيه أحدٌ أبدًا.
نظر للتلفاز أمامه للحظات، يمسح دمعه صغيرة فرت هاربة من الحياة، تناول الهاتف بين يديه يطلب أحد الأرقام ثم قال «ماجد، ألغي جميع اجتماعاتي يوم السبت القادم، وتعال. أريدك معي في أمرٍ هام»
______________________
يقود سيارته بشرود، ينظر للطريق من أسفل نظارته السوداء، يُحرك رأسه بإيقاعٍ طفيف مع اغنية حزينه لا يفقه من معانيها شيئًا، ولكن أمن المهم أن يفهم معانيها؟
بالتأكيد لا، مادامت تصف شعوره فلا يهم.
ضغط ببطء على دواسة السرعة، ازدادت للضعف بغته، أصبح كما لو كان يتسابق مع الرياح بينما مازالت رأسه تتحرك ببطء، ويُدندن بصوتٍ خافت مع تلك الاغنية التي ملّ من الاستماع إليها. يزفر بضجر واحتناق وهو يسمع صراخ أحد المارة فيه بعدما كاد أن يدهسه بتلك السرعة الجنونية. أيهتم؟
كلا، كُل ما في الأمر أنه لا يُحب الصوت العالي.
وأخيرًا توقفت السيارة بغته كما ازدادت سرعتها بغته، اصطدمت مُقدمتها بعمود إنارة لا يعمل، وتصاعد دخان ضئيل من مقدمتها بينما بجانب العمود كان يجلس عجوز يستريح، والذي سرعان ما انضفض جسده وهم واقفًا بسرعة لم يعهدها وهو يبتعد عن العمود، يسُبّ ذاك السائق المتهور.
هبط الشاب من السيارة، يسفق بابها بعنف، يتفحص مقدمه السيارة بلا اهتمام بكلام ذاك العجوز.
ليتقدم الأخير منه بغضبٍ أشد، زاده ذاك الشاب ببروده وقبل أن ينطق بكلمة صرخت امرأه في وجه العجوز بذهول، تجذب يد صغيرها تضمه بقوة وهي تقول: ذاك العجوز!
أولم يكن مُقعدًا قبل دقائق يتسول من الناس؟
ضمت المرأه طفلها بقوة وهي تركض به مبتعدة بينما تقول: هذا العالم ليس آمنًا، ليس آمنًا.
ابتسم الشاب بسخرية بينما تغير وجه العجوز للحظة قبل أن يبتعد عنه بهدوء، يعبر الطريق لآخر بدون أن ينظر خلفه.
نظر الشاب في اثره بسخرية، قبل أن يعود إلى سيارته يشغل مُحركها بهدوء، يتحرك بها مكملًا وجهته كما كان.
_________________
إن علمت ما ينتظرك، فكيف ستأتيك متعة الاستكشاف؟!
تعال فقط ولا تصطحب سوى جسدك، ولا تقلق، فستكون المتعة من نصيبك فقط.
فانتظرونا في السابع من مارس أمام الحديقة العامة بدمياط.
انهى قراءة الإعلان في الورقة التي أمامه، يُعيد التفكير في صحة تصرفه، هل كان عليه الحضور؟
جذبه الفضول بعد رؤية الإعلان، وحرك شوقة رؤية الماضي البعيد وعدم اننظار من لن يأتي، فيا ليتها تكون كما يقولون.
أخذ نفسًا ثم اخرجه ببطء وهو يرى سيارة سوداء مملوءة بالورد والشرائط الملونه يتصاعد الدخان من مقدمتها كخيطٍ خفيف من سحابٍ لا ينقطع، يقودها صديقه المتهور، والذي يبدو أنه افسد زفافه ككل مرة، «ماجد».
توقفت السيارة بهدوء، تحطمت مقدمتها أكثر، فُتح الباب الجانبي، يهبط منه ماجد مُتشحًا بالسواد، وبنظارته السوداء التي لا يغيرها أبدًا، وبالتأكيد لون شعره الأبيض الغريب.
حسنًا، كم مرة رأيت فيها أحدًا يُغير لون شعره للأبيض؟
ان لم تكن فها قد فعلت..
تقدم ماجد ببطء يُشعرك أنه يمشي على السجادة الحمراء، يصفر بخفه، بينما يلوح بيده لصديقه الحميم بحرارة. وبمجرد أن اقترب منه، جذبه داخل حضنه بقوة، يعبث بشعره بحركه مستفزة ازعجت الأخير ككل مرة يلتقيان فيها، بينما لم يهتم «ماجد» وأخذ يقول:
_رأفت الهجان حبيب قلبي، وحشتني كتير يا باشا.
ابعد رأفت يد ماجد العابثة بشعره، ثم أخذ ينظر لمرآه إحدى السيارات الواقفة يعيد ترتيبه من جديد بينما يقول:
_وكم مرةً أخبرتك فيها ألا تعبث بشعري، ماجد؟
_فلنقل أنها المرة الخامسة بعد المائة لهذا الأسبوع.
قالها «ماجد» وهو يضحك، بينما أخذ يحرك يده برغبةٍ مُلحة للعبث بشعر صديقه من جديد، وهو يقول:
_مش هتوقف حصة اللغة العربية الي شغاله دي بقى؟
_ وما شأنك أنت بلهجتي يا هذا؟! لا تتدخل في هذا الموضوع.
_ماشي مش هتدخل بس لو حصلك حاجه اعمل ايه؟
هكذا قال «ماجد» وقد عقد يديه فوق بعضهما يُفكر بجدية، هل إن ارتكب «رأفت» أي جريمة يقول أنه لا يعرفه والسبب هذه اللهجة؟
حسنًا قد يكون هذا مُقنعّا بعض الشيء إن تحدثتُ أنا بالإنجليزية.
ولكن يبدو أن تفكير «ماجد» كان عاليًا بعض الشيء، فسرعان ما ألقى رأفت في وجهه زجاجة الماء _لتي كان يحملها_ بغضب، وهو يقول:
_تُخطط لكيف تتبرأ مني ماجد، يا ليتني أحضرتُ معي كلبًا بدلًا منك، على الأقل سيكون وفيًا.
_أنت بتقارني بكلب يا رأفت؟
اوعى تكون مفكر إن عشان طنط تفيده بتعملي بسبوسه فإني هسكتلك على الاهانه دي.
_وماذا ستفعل؟
_هسكت عادي عشان خاطر البسبوسة.
هكذا قال ماجد وهو يجذب رأفت بجواره بمزاح، ينظر للطريق أمامه، يتأمل السيارات المتحركة والبشر المارين في الشارع وهو يقول:
_إلا قلي يا حبيب أخوك، فين بقى آله الزمن الي هتودينا السبعينات دي؟
ضيق رأفت حاجبيه، ليكمل ماجد:
_ولا احنا الي هنصنعها يا ابو القطايف؟
نظر لتهكم وجه صاحبه قبل أن يصيح بغته:
_عرفت عرفت، العربيات دي فيها آله زمن هتودينا السبعينات.
ثم أكمل بجدية وهو يفتح باب سيارته يجذب حقيبة ضخمه:
_كويس إني جبت لزوم القاعدة، انا مش عارف أنت ازاي مقلتش الكلام ده قبل كده بس يلا، كله يهون عشان خاطر، بسبوسة طنط تفيده.
وظل يعبث في الحقيبة يطمئن على ما وضعه بداخلها، وبعد دقائق قليلة، توقف حافلة ضخمة أمامهم، رُسِم عليها أزياء مبهرجة الألوان بإشارة الى السبعينات، بينما يتصاعد منها أغاني عالية غريبة على آذانهم، يبدو أنها خاصة لذاك الزمن أيضًا.
هبط رجل في الخمسين من العمر، يرتدي بنطالًا قصيرًا باللون الأخضر، وقميصًا أزرق فوقه، مع قُبعة رمادية ونظارة شمسٍ حمراء.
نظر لهم بتقييم قبل أن يُشير لهما بالصعود إلى الحافلة. ناولهما ورقةً بيضاء، طلب منهم كتابة اسماءهم عليها، ثم انطلقت الحافلة.
أربعة عشر شخصًا..
كان هذا هو عدد من بالحافلة، مُتبعًا تلك الرحلة العجيبة.
حسنًا، يبدو أن هناك المزيد ممن دفعهم الفضول مثله.
رجلٌ في مبدأ المشيب، يمسك بيديه كتابًا ورقيًا يتفحصه باهتمام، مُعلقًا حول رقبته كاميرا حديثة من نوع لم يره من قبل.
وبجواره جلست فتاة في عشرينات العمر، تنظر للطريق بلا اهتمام.
توأمان متماثلان، بعبثان في أغاني الحافلة، يتشاكلان حول أي أغنية من عصرنا الحديث تُناسب أجواء السبعينات.
خمس فتيات بأزياء المدرستين الإعدادية والثانوية، بجوارهم شاب يبدو أنه مرشدهم في هذه الرحلة، فهم ينظرون له بخوف كلما تحدثت احداهم بما يُزعج.
امرأه في العقد الثالث.
صبي في المرحلة الابتدائية بجوار والده.
وهكذا هم أعضاء الحافلة، إضافة إلى ذاك الرجل الذي من المفترض أنه قائد الرحلة، والسائق.
صوت الأغاني يصدح في المكان، الجميع ما بين منهمك بالرحلة، أو متفحصٍ لشيء، عجيب، كذاك العجوز الذي لم يترك الكتاب منذ تحركت الحافلة.
صحراء بدأت تُحيط بهم، ينظر رأفت من النافذة يتأمل الطريق بهدوء، بينما اقترب ماجد يهمس في اذنه يقول:
_رأفت، في حاجة غريبة بتحصل.
نظر رأفت له بعدم فهم، ليشير الأول لقائد الرحلة وأكمل:
_ركز على حركة ايده، شكله ناوي على شرّ، لازم نمشي من..
ولم يكد يكمل حديثة حتى نظر قائد الرحلة للجميع يشير لهم بمسدسه، يضحك بصوتٍ خفيض، وهو يقول:
_دلوقتي اللعبة بدأت يا بشوات.
وبعدها لم يُسمع سوى صوت طلقات الرصاص تملأ الصحراء الشاسعة، وبعدها توقفت الحافلة ولم تتحرك.
صحراء أم سبعينات
صوت طلقات متتابعة حطمت سكون الصحراء، تشعر بشرارة الغدر تنطلق من كل ناحية، تُصيب الكثير والكثير، وتُدمى منها الجراحات.
وهكذا كان هو، يشعر بدماءٍ تتخثر حول ساعده وخيطٌ ضئيل ينزلق رويدًا رويدًا بجانب عينه.
اصطدم رأسه بقاعدة المقعد الذي أمامه، حرّك رأسه بضعف تجاة ذاك الذي بجواره، يتشابه مثله في الإصابات، وبذاك الخيط الضئيل الذي ينزلق بجانب العين.
وضع يده على ساق الآخر بهدوء، وبصوتٍ خافتٍ هامس أخذ يُنادي عليه. دقائق قليلة واستفاق الآخر ينظر له بشرود، يقول بوهن بينما يتحسس جانب رأسه:
_ماذا حدث ماجد؟
_ولا حاجه يا باشا إحنا بس اتاخدنا على خوانه وانضرب علينا نار مش أكثر.
قال آخر كلماته بضحكه خافته، وهو ينظر حوله باهتمام، الأربعة عشر راكبًا جميعهم مُصاب.
والسائق؟
وقائد الرحلة؟
كلاهما غير موجود
فتح ماجد حقيبته يُخرج الاسعافات الأولية التي وضعها احتياطًا، وها قد جاء موعد استخدامها أسرع مما ظن.
ضمّد إصابته أولًا ثم فعل المثل لرأفت المُحدق للفراغ خارج النافذة بشرود، ثم قام من مكانه يحمل العلبة يطمئن على الجميع. والغريب في الأمر أن جميع من بالحافلة بهم نفس الخيط الضئيل الذي ينزلق بجانب العين.
خيط دمٍ متخثر دلّ على أدنهم هكذا منذ وقتٍ ليس بالضئيل.
تقدم إليه ذاك الشاب الذي أتى برفقة الفتيات، يُمسك حقيبة جلدية سمراء مُغبرة بالكثير من الرمال وهو يقول:
_لقد وجدتُ هذه الحقيبة بجوار مقاعدنا
أخذها منه ماجد ليتفحص محتواها وفي ثانية واحدة وجد الحقيبة أصبحت بيد العجوز الذي كان يقرأ كتابًا أول الرحلة.
ألقى العجوز بمحتوياتها على الأرض بقوة ليتجلى ما بداخلها من بضع أوراق صفراء مهترءة خالية من أي معالم الكتابة، القليل من الرمال السوداء، مفتاح كُسر إلى نصفين.
تناول العجوز الورق يقلبها بين أنامله بينما تأفف ماجد من حركته تلك غير أنه لم يُبدي أي ردة فعل تجاهها وأخذ ثلاثتهم ينظرون إلى تلك الأشياء يحاولون معرفة أي شيءٍ منها بينما بقي باقي الرُكاب في أماكنهم بدون حراك.
تقدمت منهم السيدة وهي تقول:
_لازم نعرف إحنا فين الأول، أنا هشوف المكان برا عامل إيه.
انهت كلماتها ولم تنتظر منهم ردة فعل بل تحركت للخارج وهي تشير للفتيات أن يتبعنها.
صاح بها الشاب وهو يقول بغضب:
_انتي مالك بالبنات؟! عايزة تطلعي اطلعي، ملكيش دعوة بيهم.
ناظرته المرأه بسخرية وطالعت الفتيات تقول:
_يلا معايا وسيبوكم من غراب الشوم ده
احتدت نظرات الشاب أكثر وصاح:
_لآخر مرة بقولك ملكيش دعوة بالبنات يا أميرة وإلا..
_وإلا هتعمل إيه يا اسلام؟ عايزة اشوف هتعمل إيه
نظر اسلام للفتيات خلفه بقوة، لتلتصق اجسادهن في المقاعد بغير، حراك يزدرين ريقهن بتوتر.
نظر ماجد خلفه ناحية رأفت يراه لايزال شاردًا بالنافذة، اقترب منه بهدوء تاركًا الشجار وذاك العجوز المنهمك في تفحص كل شيء ينهيان ما يفعلانه.
جلس بجانب رأفت ينظر للخارج حيث الصحراء الشاسعة، يقول:
_تفتكر هما راحوا فين؟
لم يُجبه رأفت واكتفى بالتحديق من النافذة، أخذ ماجد نفسًا عميقًا وجذب يد رأفت يوقفه أمام مقود السائق يقول:
_أنت بتعرف تسوق اتوبيسات يا اسطا يلا اتحرك بينا من هنا، خلي كل واحد يرجع لحياته، بلا سبعينات بلا غم.
وضع رأفت يده فوق المقود وقد اعجبته تلك الفكرة، فهذه الرحلة كانت خطأً منذ البداية وعليهم العودة حيث كانوا.
توقف شجار الاثنين في الخلف، بينما يصيح اسلام:
_يلا نرجع احسن من الرحلة الي جمعتنا بناس غم
نظرت له اميرة بخنق وكبرياء وتحركت تعود لمقعدها كما لو كانت بالفعل أميرة، وهنا تحدث العجوز يقول:
_معلش لو قطعت اللحظة عليكم، احنا مينفعش نمشي من هنا، لازم نكتشف المكان.
ماجد بعدم فهم:
_وده ليه بقى ان شاءلله؟
أميرة بخنق:
أوه لأ، أنت عايزني افضل مع الهمجي ده في نفس الرحلة، أنا لو شفته قبل ما اركب مكنتش جيت.
نظرت لرأفت واكملت:
_سوق يا اسطا وملكش دعوة بكلام جدو
نظر لها اسلام بخنق ولم يكد يجيب عليها حتى تحدث الفتاة التي كانت تجلس بجوار العجوز تقول:
_حتى لو حاول مش هيعرف، إحنا حاليًا لازم نكمل اللعبة الي كلنا وافقنا على شروطها، ومضينا عليها كمان.
اميرة: شروط ايه دي، انا مش مضيت على حاجة يا بت انتي
نظرت لها الفتاة بخنق وقد ادركت قدرًا ضئيلًا من غضب اسلام في هذه اللحظة، تقول:
_اولا، اسمي مريم يا طنط
ثانيًا، الورقه الي كتبتي فيها اسمك لما ركبتي الاتوبيس تُعتبر موافقة منك على كل شروط الرحلة، بما فيها الضرب بالنار الي حصل بعد ركوبنا.
كمل العجوز: صح يا بنتي، والورق ده يثبت كلامك.
نظر له الجميع باهتمام ليتحرك إلى المقدمة موجهًا وجهة إليهم يقول بينما يرفع إحدى الوريقات الي وجدها داخل الحقيبة أمامهم:
_الورق ده والخامة الي معمول منها، وكذلك الشنطة الجلد دي، دي حاجات كانت مشهورة في السبعينات ووجودها هنا دليل على إننا كده بقبنا هناك ولازم نكمل الرحلة.
نظرت له اميرة وسرعان ما انفجرت ضاحكة بصوتٍ صاخب لا يتوقف. نظرت للعجوز وهو تشير للصحراء من النافذة وتقول:
_صح معاك حق، بأمارة الصحرا الي محوطانا من كل ناحية دي. احنا كده في السبعبنات.
قامت من مكانها تقترب من باب الحافلة، وما زالت ضحكاتها لا تتوقف، ينظر لها اسلام بغضب، والباقين بخنق من تلك الافعال المستفزة.
فتحت أميرة الباب بينما تنظر لهم وتشير للخارج.
_فعلا، الي برا ده السبعينات مش صحرا ابدًا
تغيرت نظراتهم، اقترب الجميع من الباب متجاهلين حديثها، ينظرون تارة عبر الباب، وتارة أخرى عبر النافذة. صاح العجوز بانتصار:
_شفتم! قلتلكم اننا في السبعينات.
تقدم للباب يدفع أميرة بيده وهو يضحك، نظرت أميرة خلفها حيث ينظرون لتقف مشدوهه وهي ترى تلك الأزياء الغريبة التي تميز بها ذلك الوقت.
همست بذهول:
_ازاي؟ ده.. مستحيل، أكيد دي لعبة علينا.
نظرت للخلف بذهول تطلب تكذيبًا لما رأت غير أن نظرات الشماته التي علت وجه اسلام كانت كفيلة لتخبرها أن عليها الصمت باقي الرحلة أو للأبد أيهما أقرب.
نظرت مريم في أثر العجوز حتى اختفى وهي تقول:
_لو دي لعبة زي ما بتقولي يبقى لازم يكون ليها ارشادات.
تحركت للحقيبة الملقاة أرضًا تبحث بين اغراضها عن أي شيء قد يُفيد غير أن الأوراق الخالية من الكلمات كانت الرد الوحيد عليها وعلى سؤالها.
لحظات قليلة مرت من الصمت المُطبق حتى لمعت فكرةٌ ما بعقلها، وسرعان ما أخدت تُحرك الأوراق تحت أشعة الشمس، تُقرب الورق من ضوءها وتنتظر ظهور أي كلمات.
وجاءت فكرتها بالفائدة.
التف الجميع حولها ينظرون للكلمات التي بدأت تظهر رويدًا رويدًا يقرأونها بعدم فهم حتى اكتملت أمام ناظريهم.
تحدثت مريم وهي تنظر لهم:
المفترض اننا دلوقتي في عالم السبعينات، احنا في العالم نفسه بدل حاجه فيه يعني بنخضع لقوانيه عادي زينا زيهم، وباب الاتوبيس هو الفاصل بينا وبينهم.
كمل ماجد: وعشان نرجع لعالمنا تاني لازم نلاقي المفتاح
تناول اسلام نصف المفتاح المُلقى على الأرض
_ده المفتاح؟
نظرت لمريم لباقي الأوراق لدقائق وأكملت:
_هو ومش هو في نفس الوقت.
اسلام بعدم فهم: والمعنى؟
مريم: مكتوب إن كل قائد ليه مفتاح، يقدر يفتح بيه لنفسه ولأتباعه، ولو قدرت تكمل نصيبك وتحمي متبعينك يبقى هتقدر ترجع تاني للعالم بتاعك، غير كده فأنت محبوس هنا للأبد..
اقترب ماجد يُمسك المفتاح بين يديه يقول:
_يعني كل واحد فينا ليه مفتاح يكمل بيه النص ده؟
أومئت أميرة بالإيجاب، وأكملت بينما عيناها معلقة بالأوراق:
_مكتوب ان الي يقدر يرجع هو القائد الي كمل مفتاحه ومعاه جميع اتباعه، غير كده لأ.
إسلام: يعني كده لو لقيت المفتاح بتاعي اقدر ارجع انا والبنات كلنا.
اكمل بحماس وهو ينظر للفتيات: خليكوا هنا، هلاقي المفتاح وارجعلكم.
وقبل أن يخطو إلى الباب تحدث رأفت أخيرًا بعد صمته طيلة الرحلة وقال:
_وإن لم تعثر عليه؟
هل سيظللن حبيساتٍ هنا؟
إذا كنت قائدهم وهم اتباعك فعليهم مساعدتك، واعتقد أن هذا هدف الرحلة من البداية.
تجنب اسلام جميع هذا الكلام وقال:
_انت بتتكلم بالفصحى ليه! بعدين انت مالك؟ هيفضلو هنا لحد ما ارجع
رأفت: والطعام!
بمجرد خروجك لن يُسمح لك بالدخول، فكيف سيأكلن؟
اسلام: متوقف حصة العربي دي وكلمني عِدل، متقلقش يا عم هعرف ادخلهم اكل وبعدين يستحملوا وهما هنا احسن ما يطلعوا برا ويحصلهم حاجه.
تدخل ماجد في الحديث يقول:
_ ده على اساس انهم نبته ملوخية؟
عايزهم يعيشوا على البناء الضوءي لحد ما ترجع؟
نظر اسلام لهم بخنق، قبل أن يتحرك ومعه الفتيات للخارج جميعًا من الحافلة.
وها قد خلت إلا من ماجد ورأفت، ومريم التي تتفحص الأوراق، وأميرة التي فضلت الانتظار للنهاية، وذاك الرجل الغريب برفقة ولده الجالسين في آخر مقعد بدون حراك.



