ابداعات

أشياء لم ندفنها

وائل الهاشمي

 

هناك أشياء لا تموت حين تتوقف عن التنفس.
تبقى جالسة في مكان ما داخلنا، صامتة لا تطلب قبرًا ولا جنازة، ولا يعرف أحد أننا فقدناها.
نستيقظ كل صباح، نرتدي وجوهنا المعتادة، نشرب قهوتنا، نرد على الرسائل، نضحك حين ينبغي أن نضحك، ونقول: أنا بخير بتلك السهولة التي تجعل الكذبة تبدو كأنها حقيقة.

لكن الحقيقة أن الإنسان لا يخرج من الحياة كما دخلها.
في الطريق تسقط منه أشياء.
يسقط حلم كان يظنه مستقبله، تسقط ثقة منحها لشخص لم يكن يستحقها، يسقط جزء من براءته في موقف واحد، ثم يكتشف بعد سنوات أنه لم يعد يعرف كيف يندهش كما كان.
وأحيانًا لا يسقط شيء نحن فقط نكبر.

وهذه ربما واحدة من أكثر الخسارات غموضًا.
أن تستيقظ يومًا فتكتشف أنك لم تعد ذلك الشخص الذي كنت تحبه.
الطفل الذي كان يستطيع أن يفرح من أجل كرة جديدة، أو حلوى، أو نزهة قصيرة، أصبح رجلًا يحتاج إلى أسباب كثيرة كي يبتسم.
والذي كان يثق بالناس من أول حديث، أصبح يفتش عن النوايا خلف الكلمات.
والذي كان يركض نحو الأشياء التي يحبها، صار يقف بعيدًا، ينظر إليها طويلًا، ثم يقول: لم تعد تهمني.
مع أنه يعرف في أعماقه أنها كانت تهمه ذات يوم.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
نحن لا نفقد الأشياء دفعة واحدة.
نحن نفقدها بالتقسيط.
قليلًا من الشغف هنا، قليلًا من الحماس هناك، شيئًا من الثقة، شيئًا من الرغبة.
حتى يأتي يوم لا تستطيع فيه تحديد اللحظة التي تغيرت فيها.
فقط تعرف أنك تغيرت.
كأن أحدهم أخذ منك نسخة قديمة، ووضع مكانها نسخة أكثر هدوءًا،وأكثر برودة.

الغريب أن الناس لا يسألونك عن هذه الأشياء.
يسألون:
متى ستتزوج؟، متى ستعمل؟، متى ستنجح؟، متى ستكبر؟
لكن لا أحد يسألك:
متى كانت آخر مرة شعرت فيها أنك حي فعلًا؟
لا أحد يسألك عن الحلم الذي توقفت عن مطاردته.
ولا عن الأغنية التي لم تعد تسمعها لأنها تذكرك بشيءٍ انتهى.
ولا عن المكان الذي كنت تحبه، ثم مررت به ذات يوم ولم تشعر نحوه بشيء.
ولا عن الشخص الذي لم تعد تكرهه، لكن لم تعد تريده في حياتك أيضًا.
بعض النهايات لا تحتاج خصامًا.
يكفي أن يصبح وجود الشيء وعدم وجوده متساويين.

وهذه من أقسى صور الرحيل.
أن يغيب شيء كان يومًا قادرًا على تغيير مزاج يومك كله؛ ثم يغيب ولا يتغير شيء.
وربما لهذا السبب يصبح بعض الناس أكثر صمتًا مع الوقت.
ليس لأنهم لا يملكون ما يقولونه.
بل لأنهم قالوا الكثير في أماكن لم يكن أحد يسمع فيها.
فيتعلم الإنسان بعد فترة أن يحتفظ ببعض حروبه لنفسه.
يصبح أكثر انتقائية في الكلام، أكثر حذرًا في القرب، وأقل استعدادًا لتفسير نفسه.
ليس لأنه أصبح أقسى بالضرورة؛ بل لأنه اكتشف أن بعض الأبواب حين تفتح أكثر من اللازم، يدخل منها الهواء البارد أيضًا.

لكن هناك سؤالًا أخطر:
ماذا لو كانت بعض الأشياء التي ظننا أنها ماتت،لم تمت؟، ماذا لو أنها فقط اختبأت؟، ماذا لو كان ذلك الحلم الذي دفناه تحت سنوات العمل والخذلان ينتظر لحظة واحدة فقط كي يعود؟، ماذا لو كان ذلك الطفل الذي فقدناه وسط المسؤوليات ما زال موجودًا، لكنه سئم من الطرق على الباب؟
ماذا لو أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يبدأ من جديد؛
بل يحتاج أحيانًا إلى أن يعود إلى نفسه القديمة، وينقذ منها ما يستحق النجاة؟

ربما ليست كل الأشياء التي فقدناها جديرة بالاستعادة.
بعضها كان يجب أن يموت.
بعض العلاقات كانت درسًا.
بعض الأحلام كانت ستأخذنا إلى أماكن لا تشبهنا.
وبعض الأشخاص لم يكونوا خسارة أصلًا، كانوا مجرد طريق طويل إلى معرفة أنفسنا.
لكن وسط كل ذلك، هناك أشياء تستحق أن نبحث عنها.
الشغف، الدهشة، القدرة على أن نحب دون خوف، أن نحلم دون أن نضحك على أحلامنا.
أن نبدأ شيئًا جديدًا دون أن نشهر في وجهه سجل إخفاقاتنا القديمة.

في النهاية، لا يخيفني أن يموت الإنسان مرة.
ما يخيفني أكثر أن يعيش سنوات طويلة وهو يدفن أجزاءه الصغيرة كل يوم، دون أن ينتبه.
أن يصل إلى المرآة ذات صباح، فيرى وجهًا يعرفه، ولا يعرف صاحبه.
لذلك، قبل أن تقول: أنا لم أعد كما كنت.
توقف قليلًا.
واسأل نفسك:
أي جزء مني مات، وأي جزء مني ما زال ينتظر أن أناديه باسمه؟
فربما ليست كل الأشياء التي صمتت في داخلك انتهت.
ربما بعضها
ينتظر منك فقط أن تفتح الباب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى