
ليس كل ما يتمناه المرء يدركه…
عبارة لطالما أبيتُ أن لا أستوعب معناها، كيف للمرء أن يشتهي شيئًا حتى يبلغ منتهى روحه، ثم يعجز عن أن يلمسه؟ وما تلك الظروف التي تُحتم عليه أن يتركه؟
ما كنتُ لأصدق أن بعض الأمنيات لا تكتمل، وما كنتُ أعلم أن للقدر تياراتٍ خفية تجرف أسلحتي إلى القاع وأنا أنظر.
لم أدرك معنى الاستحالة إلا حين اصطدمتُ بها. وُلدت وأنا أوقن أن المرء يستطيع، ومنذ خمسة أعوامٍ وهي تسكنني، كظلٍ لا يفارقني.
أعيش في فراغ، في لاشيء، في حيرةٍ تتناوبني.
أشعر أنني لستُ أنا، وأن هذا المكان ليس موطني. تغربتُ عن نفسي قبل أن أتغرب عن الأماكن، فما عدتُ أنتمي لشيء.
لقد يئستُ، وانطفأ شغفي، وفقدتُ لذتي تجاه الأشياء، ولم تعد بي رغبة في استقبال شعورٍ جديد. كأنني بلغتُ نهاية الطريق الذي هربتُ منه طويلًا.
في رأسي أسئلة بلا أجوبة، وفي قلبي طفلة حرصتُ طويلًا على إرضائها، بحثتُ لها عن الطمأنينة في كل الزوايا، فلم أجد إلا أن العمر قد مر، وأني تأخرت.
أعرف السبب، وربما أتجاهله، لكن فؤادي لم يعد قادرًا على ترجمة هذا الضجيج.
كيف للقلب أن يبلغ ذروة الشعور حتى يظن أنه ارتوى، ثم يظمأ من جديد؟
وكيف للحياة أن تعيد نفس الحلقة بنفس الإجابة الموجعة؟
من أنا؟
من أكون؟
وما جدوى وجودي؟
أخُلقتُ لأعاني، ويظل قلبي بلا راحة؟
في إحدى المرات التي شعرتُ فيها أنه لا جدوى حتى للبكاء، وأنه حتى الصمت عاجز عن التعبير، اجتمعت عائلتي في إحدى الجلسات وقالت إني لن أحظى بما يحظى به الآخرون، وأنه لا جدوى مني، وأن ما أريده ليس من حقي، بل هو من حق الأخريات، وأنني فتاة ينقصها الكثير.
حينها شعرتُ أن حنانهم لا بد لها من مقابل، وأن قربهم مني مجرد رأفةٍ منهم لأجلي، وأنه كي أكون عند حسن ظنهم، عليّ أن أكون شخصًا آخر، لا أنا.
ضحكتُ بصوتٍ عالٍ كأنها نكتة، وأنا أشعر أن قلبي يتمزق.
شعرتُ بأني أغرق في محيطٍ أوهمتُ الجميع أنني أعرف ثناياه وأمواجه،
فقدتُ القدرة على الحديث، وفي داخلي أطنان من الكلمات التي لا تجد مخرجًا.
شعرتُ بأني أسيرة خلف قضبان رغباتي وأحلامي، وأن يداي مكبلتان وأني عاجزة عن الرؤية. أردتُ أن أصرخ فلم يخرج أنيني. أنا لا أتوهم، أنا أشعر بكل الأشياء من حولي، وأعتني بها وأصب فيها كامل صدقي أملًا في البقاء، لكنها لم تعتنِ بي.
أنا الآن منهكة، لا أستطيع النهوض. أشعر بخمولٍ يسري في شراييني، وبأفكارٍ غير مرتبةٍ تتزاحم في عقلي، وضجيجٍ لا يهدأ.
متى يأتي السكون؟ متى تستقيم الخطوط المتعرجة؟
أقول أحيانًا إن الألم جزء لا يتجزأ من الرحلة، وليس هو الرحلة كلها. وإن الله يُطفئ سراج الفطنة لتمر المشيئة من فوق حذرك الذي ظننتَ أنه منيع، فإذا استقر المكتوب أعاد الله بصيرتك، فتتساءل حينها: أين كان عقلي؟ لقد كان عقلي في يد الخالق ليمضي فيّ قدرًا لا أملك القدرة لدفعه عني.
وإن الإنسان لا يدرك أحيانًا ما يتمنى لأن الله لم يؤهله للقائه، وأنه يبتليه ليقترب.
ثم أعود مرةً أخرى لسؤالي المعتاد:
لماذا أنا؟
إنني أجهل ما خلف تلك الحواجز التي حالت بيني وبين ما أريد، وينتابني الفضول لإكمال المسير والخوض فيها حتى أرى ما لا يمكن رؤيته.
أريد أن أصل، لكني مكبلةٌ بجنزيرٍ يلتف حولي ويصل حتى إلى أفكاري. أشعر حينها أن الأشياء باتت محدودة، وأنني لستُ على ما يرام.



