ابداعات

فتنة فنجان

وائل الهاشمي

 

تخيل أن تستيقظ ذات صباح، فتكتشف أن مشروبك المفضل أصبح تهمة، وأن المكان الذي اعتدت الجلوس فيه صار موضع ريبة، وأن فنجانًا صغيرًا قد يقود صاحبه إلى مواجهة مع رجال السلطة.
لا سلاح في يدك، ولا ثورة أعلنتها، ولا منشور وزعته على الناس؛ كل ما فعلته أنك جلست، طلبت قهوتك، وبدأت الحديث.
قد تبدو هذه الصورة ضربًا من الخيال، لكنها تقترب من حكاية حقيقية عرفتها مدن العالم الإسلامي قبل قرون، حين خرجت القهوة من حدود التجربة الغريبة لتدخل واحدة من أكثر المعارك إثارة في تاريخ الحياة اليومية.

كان المتهم أسود اللون، مر المذاق، صغير الحجم، لكن قضيته لم تكن صغيرة أبدًا.
في اليمن، وجدت القهوة طريقها إلى بعض مجالس المتصوفة، الذين استعانوا بها على السهر والعبادة. ثم حملتها الطرق التجارية إلى الحجاز، وهناك بدأت حكاية أخرى؛ لم تعد القهوة شرابًا يتناوله أفراد متفرقون، بل صارت سببًا لاجتماع الناس، وذريعة لامتداد السهر، ورفيقة لأحاديث لم تكن تنتهي بانتهاء النهار.

لم يكن الخطر، في نظر بعض المعترضين، محصورًا في شراب مجهول التأثير، بل فيما قد يرافقه من سلوكيات وتجمعات.
وبين مخاوف تتصل بالدين والصحة والأخلاق، وتساؤلات حول مشروب لم يألفه الناس، تحولت القهوة من عادة جديدة إلى قضية تستدعي تدخل السلطة.

وفي مكة، عام 1511م، لم تعد المسألة مجرد أحاديث تتناقلها المجالس؛ فقد تدخل محتسب مكة، خاير بك، ودعا إلى النظر في أمر القهوة، وعقد مجلس لمناقشة حكمها.
وانتهى الأمر إلى منعها في تلك المرحلة، وسط خلاف لم يغلقه القرار؛ إذ وجد المشروب من يدافع عنه، كما وجد من يصر على الاعتراض عليه.

هنا، للمرة الأولى، بدا الفنجان وكأنه يقف أمام محكمة لا تسأله عن مذاقه، بل عن أثره في الناس.
لكن التاريخ لا يمنحنا الحق في اختزال القضية في مؤامرة سياسية، ولا في تصوير جميع العلماء خصومًا للقهوة.
فقد تداخلت في هذه المواجهة اعتبارات فقهية واجتماعية وطبية، واختلفت المواقف من مكان إلى آخر.
غير أن سؤالًا ظل يرافق انتشار المقاهي: ماذا يحدث حين يصبح للناس مكان يلتقون فيه خارج بيوتهم، ويتبادلون فيه الأخبار والآراء؟

انتقلت القهوة إلى القاهرة، ولم تكن المدينة يومئذ غريبة عن الجدل أو الصراع.
ومع انتشارها، ظهرت اعتراضات وإجراءات ضد تداولها، وتجددت محاولات المنع.
كان الفنجان ينتقل بين الأيدي، فيما كانت الأحكام تتغير، وكانت العادة الجديدة تقاوم الاختفاء بصمت لا يشبه صمت المهزومين.

أحب القهوة السمراء عشقًا، كأن الروح لا تحيا سواها، وفي فنجانها سرٌّ عميق.
أيا قهوتي، ويا دفء الليالي، بغيركِ لا أطيق الصبح أبدًا.

وحين دخلت القهوة إسطنبول، لم تدخلها حبوبًا تغلى في الماء فحسب، بل تسللت إلى روح المدينة، واتخذت من المقاهي أوطانًا صغيرة، تتلاقى فيها الوجوه، وتتبادل الألسنة الأخبار، وتناقش أحوال الناس والحكام على وقع فناجين تتصاعد منها رائحة البن.

لكن تلك الزوايا التي جمعت الناس حول القهوة، سرعان ما أثارت قلق السلطان مراد الرابع في القرن السابع عشر؛ فاشتدت حملات إغلاق المقاهي وملاحقة مرتاديها، في محاولة لإحكام القبضة على الحياة العامة وإسكات ما يدور خلف الأبواب.
غير أن السلطان استطاع أن يُغلق الأبواب، ولم يستطع أن يغلق الأفواه؛ فالأبواب تغلق بالمفاتيح، أما رغبة البشر في الاجتماع، فلا مفتاح لها.

وكلما ضاقت الجدران، اتسعت الحكايات، وكأن القهوة كانت تعلم الناس درسًا لم تدركه السلاطين: قد تستطيع السلطة أن تمنع اجتماع الأجساد، لكنها تعجز عن تفريق الأرواح التي جمعتها حكاية وفنجان. ولم تكن كل المقاهي مراكز للمعارضة، لكن قدرتها على جمع الناس جعلتها، في بعض الظروف، موضع اهتمام السلطات ومخاوفها.

وهنا تتجاوز الحكاية حدود القهوة نفسها.
فكم من شيء دخل التاريخ متهمًا لأنه جديد، أو لأنه جمع الناس حوله، أو لأنه منحهم مساحة لم تكن مألوفة؟ وكم من سلطة ظنت أن إغلاق الباب كافٍ لإسكات ما وراءه، ثم اكتشفت أن العادات لا تمحى بالأوامر وحدها؟.

وهكذا ربحت القهوة حربها، لا بصليل السيوف، ولا بسقوط العروش، بل بفنجان صغير ظل دخانه يصعد إلى السماء، فيما كانت عروش بأكملها تهوي إلى غبار التاريخ.
رحل السلاطين، وصدئت الأوامر، وأغلقت الأبواب التي ظنت أنها قادرة على إخماد الحكاية، لكن القهوة ظلت تفوح من ذاكرة المدن، كأنها انتصار لا يحتاج إلى راية.
فما أقسى الهزيمة حين يخسر السلطان سلطته، وتكسب حبة بن صغيرة خلودها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى