ابداعات

وهم لم يكتمل

نيفين محمد

 

ذهبتُ إلى الطبيبِ أريه حالي
وهل يدري الطبيبُ بما جرى لي

ظل هذا البيتُ يتردد في ذهني وأنا في طريقي إليه.

لم أذهب لأنني مريضة، بل لأعالج وحدةً استوطنتني في الأيام الماضية.
فقدتُ أمي، فانهار كل شيءٍ من حولي.

كان هو الوحيد الذي استقبل انهياري بتمعنٍ وإنصات، لا بعجلة الأطباء، فكان يروي الصحراء القاحلة خلف صدري.

صارت خطواتي نحوه دواءً بعد الداء، فما عدتُ أعلم أأذهب إليه من أجله أم التماسًا للعلاج.

كان يداوي شيئًا في داخلي، ويزرع أشياءً أخرى.
كنتُ أدخل عليه مثقلةً بالحديث، فأخرج كفراشةٍ تحلق في سماء الحرية.

مرّت سنتان وأنا أسمع الأحاديث ذاتها، وفي كل مرةٍ أسمعها كأنها المرة الأولى.

إلى أن أتى ذلك اليوم.

بينما كنتُ أرتّب لموعدي القادم، بلغني النبأ الموجع: أنه لم يعد على قيد الحياة.

لم أغلق الهاتف حتى كنتُ أمام منزله.

تقدمتُ بخطواتٍ متعثرةٍ متعرجةٍ حتى صرتُ أمام حجرته. نويتُ الدخول لملاقاته، غير أن نظرات عائلته منعتني، وخليلته وقفت حائلاً بيني وبين وداعه الأخير. ترجيتُ كثيرًا حتى سُمح لي أخيرًا.

اتجهتُ نحو ذلك الباب الموصد بإحكام، كأنه يحرس أحد ملوك الزمان. فتحتُ باب حجرته كما فتحتُ له باب قلبي.

اقتربتُ بنظراتٍ تخترق جسده المسجى حتى لم يعد بيني وبينه حدود. نزعتُ عنه الغطاء، وطبعتُ على جبينه قبلةً بطيئةً أتحسّس بها وجهه، حتى بللت دمعاتي مرقده، واحتضنته كمن تلملم شتات قلبها المبعثر فيه.

أردتُ لمسه، فلامست قبضتي بيده. ظللتُ أحتضنه حتى حاول أحدهم فتح الباب الذي أوصدته خلفي فور دخولي، فأجبتُ من ورائه: خمس دقائق إضافية فقط.

بدأتُ حديثي بتنهيدةٍ، واستنجدتُ به بنظراتٍ طويلةٍ يملؤها الشك. دموع تتناثر بلا صوت، أحبس أنيني محاولةً الثبات، لكن المعاناة كانت أثقل من أن تُحتمل، فانفجرتُ باكيةً وخرج الكلام متلعثمًا:

دعوتُ ربي كثيرًا ألا أشهد هذا اليوم، وأن يكون أجلي قبل أجلك، أو أن يهبك ربي بضع سنواتٍ من عمري لنموت سويًا. أن نرحل معًا، ينظر كل منا إلى الآخر. أن أكون أنا آخر ما تُغمض عينيك عليه، وتكون أنت آخر ما أرى.

حاولتُ كثيرًا أن أبعد فؤادي عن هواك، فما كان لعقلي عليه سلطان. تمنيتُ لو كنتُ بجوارك كما أنا الآن، لكنني تأخرت. ليتني لم أقترب، عبثتُ بأماكن رُتبت بعناية، لكنني حين اقتربتُ وجدتُ نفسي، وجدتُ دفء الكلمات وحنين المشاعر، وجدتك أنت ما أحتاج. لم أملك الشجاعة للبوح إلا الآن وأنت مغمض العينين، لكنني أعلم أنك تراني وتسمعني. ليتني متُّ منذ ذلك الرحيل الذي فقدتُ فيه أمي.

ظللتُ حتى ودعته. فلم يُدفن في أرض الوطن، بل دُفن في قلبي، لا يعلم أحد عنه سواي.

الآن صار الفقدُ فقدين.

خرجتُ من حجرته ولم أخرج منها. لم يُغلق الباب خلفي، بل أُغلق بداخلي. وأيقنتُ أن الوداع ليس أن تنطقي بالكلمة الأخيرة، بل أن تتعلمي كيف تعيشين بعدها. فبعض الأبواب حين تُفتح لا تُغلق أبدًا، وبعض الأشخاص حين يدخلون القلب لا يخرجون حتى وإن دُفنوا.

فمضت، وأدركت بعدها أنه مهما بلغ حبها للأشياء، وجب أن تترك لها حق الرحيل، وأن الحب الذي لا يكتمل، لا ينتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى