“ميزانٌ ومبالغة”

المُهنّد إسلام
يراها،
في كلّ مكان.
تظهر له،
في كلّ وقت.
على هيئةِ سيدة،
تحملُ ميزانًا،
يميلُ ميزانها حسب الأفعال:
إذا مالَ نحو اليمين،
لا يرى منها ردةَ فعلٍ.
يتنهد، تنهيدة عميقة، راحةً.
لكنّ إذا مال على الجانب الآخر،
لا يرى،
من جديد، ردةَ فعلٍ منها.
لكنه لا يستطيع ابتلاع ريقه.
تنحبسُ أنفاسه، رهبًا. وأحيانًا،
في أحايينَ كثيرة، تعجبًا.
ميزانها كما يقول الناس،
يُفرّق بين الحق والباطل.
يلعبُ كرةٌ مع أصدقائه،
يغضب،
فيسبّ.
فيراها،
بميزانها.
فتنحبسُ أنفاسه، رهبًا.
يجلسُ مع إحدى الأشخاص،
ظنّ فيه براءة حتى أخرجَ ولاعته،
مصطحبًا معها سيجارته.
وإن من البراءةِ فيه لأغرقت أطفالَ مِصرَ بأجمعها، واقترافه لذنبٍ بينه وبينَ إلههِ لا يجعلُ منه وحشًا.
لكنهُ وُلِدَ في مجتمعٍ يقدّسُ فيهِ رجالٌ أخفو ذنوبهم بقناعِ اللحى،
فأصبحَ من يجهرُ بمعصيته يُنظرُ له كما يُنظرُ للأسودِ في قطارِ البيض.
يراها، بميزانها،
فتنحبسُ أنفاسه رهبًا.
يقرأُ كتابًا،
يظهرُ فيه مشهدًا،
لا يناسبُ مجتمعه.
فيراها،
بميزانها، فتنحبسُ أنفاسه،
رهبًا.
يرى إحدى أصدقائه بحاجةٍ إلى المال،
يعتذرُ متحججًا أن ليسَ له مال،
لأنهُ رآها،
من بعيد،
تقفُ من غيرِ ميزانها،
فتنحبسُ أنفاسه، رهبًا.
يجلسُ مع أنُاسٌ يرتاحُ بصحبتهم،
أنُاسٌ من شتّى الأماكن، ومختلف الشخصيات،
انُاسٌ جمعتهم مكتبة.
ضمّت الفتياتِ مع الفتيان.
يرتاحُ بصحبتهم،
فقد لقيّ فيهم نقاءًا لم يجده في مجتمعه،
لقيّ فيهم تحفظًا للدينِ أكثرَ من ما لقيّ في مجتمعه.
تعجبه الصحبة،
فيحتفظُ بها.
فيراها،
تنظرُ له، فتنحبِسُ أنفاسه، تعجبًا.
كيفَ لمجتمعٍ يُحرّمُ عن المرءِ الراحة،
أن يكونَ بهذه الوقاحة.
كيفَ لمجتمعٍ لا يتحدثُ إلا بإسم إلهه،
ثم يذهبُ في الخلاء ويفعلُ كلّ ما ذُكر،
أن يكونَ بتلك البشاعة.
كيفَ لأناسٍ يدّعون حرية المرء،
أن يقيدوا ذاكَ المرء.
كيفَ لأناسٍ يكرهون آبائهم لشدتهم معهم،
أن يصبحوا مثلهم من غيرِ ملاحظة،
مُدّعينَ أن هذا لا شيءَ مما رأوا،
محدثينَ نفسَ التأثير.
كيفَ لأناسٍ كانوا يومًا يقولونَ إن المرءَ حرّ طالما يعلمُ حدوده،
أن يعترضون طريق من أخبروه بذلك مرسلينَ سيدةُ بميزانٍ ويكأنَ المرءَ عن حدودهِ لا يعلم، وعنها لا يحافظ.
فالمرءُ ليسَ ضد التذكير،
هو ضد المبالغة،
فالمبالغةُ في الشيءِ تُنتجُ العواقب.
وتنتجُ مبالغةٌ من جهة عكسية، لا رجعة فيها.
وفي النهاية، يذهبُ إليها،
يُنزلُ الميزانَ من يدها،
ويشيرُ إلى قلبها،
ويقولُ لها.
“إن ميزانك هنا، طالما علمتِ الحقَ من الباطل، تستطيعينَ العيشَ بميزانِك الخاص، من غير الخروجَ عن حدودِ دينك.
تختلفُ الحدودَ من شخصٍ لآخر، حسبَ احتياجه.
لذا راقبي احتياجاتك، عدّلي المكيال، لا تبالغي، ولا تنسي ذاتك.”



