مقالات

إنهيار المفاوضات بين واشنطن وطهران .. مضيق هرمز في قبضة التصعيد وإسرائيل على حافة المواجهة

✍️ يوحنا عزمي

انهارت جولة المفاوضات الأخيرة وسط أجواء مشحونة بالتهديدات والتحركات العسكرية ، بعدما تمسّكت طهران بشروطها ورفضت الاستجابة لما اعتبرته واشنطن مطالب أحادية ، فعاد الخطاب الأميركي إلى نبرة التصعيد والتلويح بالحصار ، بينما رفعت إسرائيل منسوب الاستعداد الميداني تحسباً لاحتمال انفجار المواجهة في أي لحظة. وفي الخلفية ، ظل مضيق هرمز مغلقاً ، كرمزٍ لضغطٍ جيوسياسي يخنق أسواق الطاقة ويحبس أنفاس العواصم المترقبة لقرار البيت الأبيض.

تفسير الفشل لا ينفصل عن طبيعة الدخول إلى التفاوض من نقطتين مختلفتين تمامًا. قراءة قدمها ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق داني سيترينوفيتش رأت أن إيران جلست إلى الطاولة من موقع قوة ميدانية ، فيما حضرت واشنطن بثقة مفرطة في أثر ضرباتها السابقة.

الرهان الأميركي كان أن الضغط العسكري كفيل بانتزاع تنازلات سريعة : فتح الممر الملاحي ، وترتيبات تخص المخزون النووي ، وتسويات مالية. غير أن طهران تعاملت مع أوراقها بوصفها أدوات تفاوض لا تُمنح مجاناً ، فربطت أي انفتاح في المضيق باتفاق نهائي متكامل ، ورفضت تسليم أوراقها الحساسة دون مقابل متوازن، وقدّمت مقترحات مضادة تعكس منطق “الشروط مقابل الشروط”.

تقارير صحفية في نيويورك تايمز أشارت إلى أن القضايا الجوهرية بقيت معلقة بلا اختراق : وضع المضيق ، والملف النووي ، والأموال المجمدة. ومع إعلان التعثر ، ظهرت ردود الفعل سريعاً على الأرض؛ ناقلات نفط غيرت مساراتها ، والقيادة المركزية الأميركية دفعت بمدمرات نحو المنطقة في رسالة ردع واستعراض حضور ، بينما استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصته للتلويح بإجراءات بحرية مشددة ضد إيران ، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة معنوياً على الأقل.

في تل أبيب ، بدا المزاج مزيجاً من القلق والاستعداد. فالتوقع كان أن تحسم واشنطن المسار بما يتوافق مع الحسابات الإسرائيلية، لكن تعقد المشهد وضع إسرائيل أمام احتمال أن تكون في واجهة أي تصعيد تالٍ. تقارير في يديعوت أحرونوت تحدثت عن استعدادات مكثفة لاستئناف العمليات حتى قبل انقضاء أي وقف هش لإطلاق النار ، مع تسريع وتيرة الإمداد والتخزين العسكري.

وفي الداخل الإسرائيلي ، ظهرت أصوات تخشى أن تدفع أي تسوية أميركية محتملة إلى قيود على حرية الحركة العسكرية في الساحات القريبة ، بينما واصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إدارة توازنات سياسية وقضائية معقدة تحت مظلة “ظرف أمني استثنائي”.

أما خيارات واشنطن فبدت جميعها مكلفة. مواصلة التفاوض تعني تقديم تنازلات تُفسَّر ضعفًا سياسياً. إنهاء المواجهة بلا اتفاق يترك المضيق في وضع ضاغط ويُظهر عجزاً عن تحقيق الأهداف المعلنة. والعودة إلى التصعيد العسكري تحمل خطر توسيع رقعة الصراع دون ضمان نتائج حاسمة ، مع أكلاف استراتيجية واقتصادية قد تمتد آثارها إلى ما وراء الإقليم. في هذا المثلث الضاغط ، يصبح أي قرار ثمنه مرتفعاً ، ويغدو التردد نفسه عاملًا إضافياً في تعقيد الحسابات.

على الضفة الأخرى ، كثفت طهران إجراءاتها الداخلية ، مركزة على ضبط الأمن وملاحقة شبكات يُشتبه في ارتباطها بجهات خارجية ، باعتبار أن تماسك الجبهة الداخلية شرط سابق على أي مواجهة ممتدة. وفي المقابل ، رفعت إسرائيل وتيرة الإنتاج العسكري والتخزين ، بينما عززت الولايات المتحدة حضورها البحري واللوجستي ، في مشهدٍ يوحي بأن الجميع يستعد لمرحلة تالية قد تكون أشد صلابة من كل ما سبق.

هكذا يتكرّس إحساس عام بـ“هدوء ما قبل العاصفة”. مسار الدبلوماسية يضيق ، ولغة الردع ترتفع ، وكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الجولة المقبلة ، سواء جاءت على هيئة ضغط تفاوضي جديد أو انزلاق نحو مواجهة أوسع. القرار الأميركي التالي سيبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى حرب إقليمية مفتوحة ، أم إلى حالة طويلة من اللاسلم واللاحرب تُبقي الأسواق والحدود والأعصاب في حالة استنزاف دائم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى