حرب التوقيت القاتل.. لماذا انفجرت المواجهة بين إسرائيل وإيران الآن؟

✍️ يوحنا عزمي
في عالم السياسة والصراعات الدولية ، لا تُقرأ الأحداث الكبرى من خلال ما يحدث فقط ، وإنما من خلال توقيت حدوثه أيضاً.
فالتوقيت في كثير من الأحيان يكشف من النوايا ما لا تكشفه البيانات الرسمية، ويفضح من الحسابات الاستراتيجية ما تعجز عن إظهاره التصريحات العلنية. ومن هنا تبدو المواجهة الحالية بين إسرائيل وإيران واحدة من أكثر الأزمات التي يستحق فيها عنصر التوقيت أن يُوضع تحت المجهر، لأن ما جرى خلال الأيام الأخيرة لا يبدو مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة، بل حلقات مترابطة في مشهد أكثر تعقيدًا مما يظهر على السطح.
قبل أيام قليلة فقط ، خرجت إيران بتحذير مباشر وواضح مفاده أن أي استهداف إسرائيلي لبيروت سيُقابل برد إيراني. كان ذلك الإعلان بمثابة رسالة استباقية معلنة أمام الجميع، بحيث لا يمكن لأحد لاحقاً الادعاء بأنه لم يكن يعلم مسبقًا طبيعة رد الفعل الإيراني المحتمل. وفي الوقت ذاته تقريبًا، كانت إسرائيل تواجه أزمة متصاعدة داخل الولايات المتحدة على خلفية تقارير واتهامات تتعلق بملفات تجسس أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، ووصل الأمر إلى درجة أن بعض الصحف الأمريكية الكبرى بدأت تتناول تداعيات القضية على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وعلى المزاج السياسي داخل واشنطن نفسها.
وفي خضم هذا المشهد، كانت المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران تقترب من مراحلها الأخيرة بعد جهود وساطة معقدة شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية متعددة. وبغض النظر عن تقييم فرص نجاح هذه المفاوضات، فإن مجرد اقترابها من نقطة تفاهم كان يمثل مصدر قلق حقيقي للحكومة الإسرائيلية التي تنظر إلى أي تقارب أمريكي إيراني باعتباره تهديدًا مباشرًا لاستراتيجيتها القائمة على إبقاء طهران تحت أقصى درجات الضغط والعزلة.
عندما توضع هذه الوقائع الثلاث جنبًا إلى جنب، يبرز سؤال مشروع: هل كان التصعيد في بيروت مجرد عملية عسكرية معزولة، أم أنه جاء في توقيت محسوب بعناية بهدف دفع إيران إلى رد عسكري ينسف فرص التفاوض ويعيد خلط الأوراق الإقليمية والدولية؟ هذا الاحتمال لا يمكن الجزم به كحقيقة مطلقة، لكنه يبقى تفسيرًا منطقيًا ينسجم مع طبيعة الصراع القائم بين الطرفين ومع مصالح كل منهما في تلك اللحظة الحساسة.
اللافت أن التصعيد لم يخدم طرفًا واحدًا فقط، بل منح كل طرف فرصة لتحقيق أهدافه الخاصة. فبالنسبة لإيران، جاء التصعيد بينما كانت تواجه ضغوطًا متزايدة تتعلق بملفها النووي ، خاصة مع تصاعد المطالب الدولية بالحصول على معلومات إضافية حول مواقع ومنشآت تعرضت للاستهداف خلال الأشهر الماضية، وحول مصير كميات من اليورانيوم المخصب. ومن منظور طهران، فإن الدخول في مواجهة إقليمية قد يوفر هامشًا سياسيًا وزمنيًا لإعادة ترتيب أوراقها وتغيير أولويات المجتمع الدولي بعيدًا عن الضغوط التقنية والقانونية المتعلقة بالبرنامج النووي.
وفي الوقت نفسه، ترى إيران أن ما يحدث في جنوب لبنان يمثل محاولة إسرائيلية لفرض واقع أمني جديد شبيه بالنموذج الذي سعت إلى فرضه في مناطق أخرى من الإقليم، وهو ما يجعل التصعيد بالنسبة لطهران وحلفائها جزءًا من معركة أوسع تتعلق بتوازنات النفوذ ومستقبل خرائط السيطرة في المنطقة.
لكن أخطر ما في المشهد الحالي ليس التصعيد ذاته، وإنما المؤشرات التي تدل على غياب الوضوح بشأن حدود هذا التصعيد. فالمتابع يلاحظ حجم التناقض بين التصريحات والتسريبات الصادرة من مختلف الأطراف. فمن جهة تُنشر روايات تقلل من حجم الهجمات وتؤكد السيطرة الكاملة على الموقف، ومن جهة أخرى تُتخذ إجراءات طوارئ واسعة وتُرفع درجات الاستعداد العسكري إلى مستويات غير مسبوقة. ومن جهة تُتداول معلومات عن ضغوط أمريكية لمنع توسيع الحرب، بينما تتحدث تقارير أخرى عن تنسيق أمريكي إسرائيلي مستمر في إدارة المواجهة. هذه التناقضات ليست مجرد ارتباك إعلامي، بل تعكس على الأرجح صراعًا داخليًا بين اتجاهات مختلفة داخل مراكز صنع القرار، أو محاولة متعمدة لإبقاء الخصوم في حالة من عدم اليقين.
الأمر الأكثر إثارة للقلق يتمثل في اتساع رقعة الاشتباك لتشمل أطرافًا إضافية في الإقليم. فكلما زاد عدد الجبهات المفتوحة، ارتفعت احتمالات وقوع خطأ في الحسابات أو حادث غير محسوب يؤدي إلى انفجار أكبر. وهنا تبرز أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتبارهما من أهم الشرايين الاقتصادية العالمية. فدخول هذه المنطقة في دائرة المواجهة المباشرة لن ينعكس فقط على أطراف الصراع، بل سيمتد أثره إلى حركة التجارة الدولية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وسيضع دولًا تعتمد على الممرات البحرية كمصدر رئيسي للدخل أمام تحديات اقتصادية ضخمة.
وفي خلفية المشهد كله، تقف القوى الدولية الكبرى تراقب وتتحرك وفق حساباتها الخاصة. فالولايات المتحدة لا تريد حربًا شاملة قد تستنزفها في منطقة تعيد ترتيب أولوياتها فيها، وإسرائيل تسعى إلى منع أي تسوية تمنح إيران متنفسًا استراتيجيًا، بينما ترى طهران أن الصمود والتصعيد المحدود قد يكونان وسيلتها لتحسين شروطها السياسية. أما روسيا والصين فتراقبان التطورات من زاوية أوسع ترتبط بإعادة تشكيل موازين القوى العالمية وموقع الشرق الأوسط داخل هذا التحول الكبير.
لهذا السبب، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الصواريخ المتبادلة أو الضربات العسكرية المباشرة، بل في أن تتحول الأزمة تدريجيًا إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية الكبرى. وعندما يحدث ذلك، يصبح أي خطأ صغير قادرًا على إشعال سلسلة من الأحداث يصعب التحكم في مسارها أو التنبؤ بنهايتها.
ومن هنا تبدو الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد واستمرار قنوات التفاوض أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالحروب تبدأ أحيانًا بقرار محسوب، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يكن أي من أطرافها يتوقعها أو يرغب فيها. والتاريخ مليء بأمثلة لصراعات ظن أصحابها أنهم قادرون على التحكم في مسارها، قبل أن تخرج الأمور من أيدي الجميع وتتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة للفوضى وعدم الاستقرار.



