مقالات

لماذا تتفاوض القوى المتصارعة رغم إستمرار الحرب؟

✍️بقلم : يوحنا عزمي

واحدة من أكثر الظواهر المثيرة للانتباه في متابعة الصراعات الدولية ، أن قطاعات واسعة من الجمهور أصبحت تتعامل مع الحروب بعقلية مباريات كرة القدم ؛ طرف انتصر وطرف انهار ، طرف سحق خصمه وطرف خرج مهزوماً بالكامل. هذه النظرة التبسيطية هي في الحقيقة أكبر عائق أمام فهم ما يجري حولنا ، خصوصاً في الملفات المعقدة مثل الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران ، والتشابكات المرتبطة به إقليمياً ودولياً.

السؤال الذي يتكرر بكثافة اليوم يبدو منطقياً ظاهرياً : إذا كانت إيران – كما يروج البعض – قد ألحقت هزيمة ساحقة بواشنطن، وإذا كانت إسرائيل تعرضت لضربات موجعة ، فلماذا تتجه طهران إلى طاولة التفاوض؟ وإذا كان الحديث المتداول في الدوائر السياسية والإعلامية يشير إلى اقتراب توقيع اتفاق جديد خلال أيام ، فما الذي يدفع إيران إلى هذه الخطوة إن كانت بالفعل في موقع المنتصر؟

الإجابة تبدأ من نقطة شديدة الأهمية ؛ كثيرون للأسف لا يتابعون المشهد عبر المؤسسات الإخبارية الكبرى أو المصادر الرسمية، بل يبنون تصورهم الكامل للأحداث اعتماداً على صفحات ممولة أو أشخاص يقدمون تحليلات بلا أي تأهيل حقيقي ، هدفهم الأساسي صناعة الإثارة وحصد المتابعين وتحويل الأحداث الدولية إلى مادة استهلاكية شعبوية. النتيجة الطبيعية لذلك هي حالة واسعة من تزييف الوعي الجماعي ، حيث تتحول الوقائع المعقدة إلى شعارات فارغة يرددها الناس دون إدراك حقيقي لما يحدث على الأرض.

الحقيقة أن المشهد أبعد كثيراً من فكرة أن إيران انتصرت أو أن الولايات المتحدة انهزمت أو أن إسرائيل تم سحقها بالكامل. السياسة الدولية لا تعمل بهذه الطريقة، والحروب الحديثة تحديداً لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو الصور المنتشرة على مواقع التواصل.

الولايات المتحدة عندما تدخل أي مواجهة عسكرية لا تعتمد غالباً على فكرة الحسم العسكري التقليدي المباشر، بل تتحرك وفق استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على ما يمكن وصفه بسياسة كسر الإرادة قبل كسر الجيوش. الهدف الأول يكون دائمًا توجيه ضربات للبنية التحتية الحيوية: شبكات الطاقة ، محطات المياه، الجسور، مراكز الإمداد، وكل ما يضمن استمرار الدولة في إدارة الداخل بشكل طبيعي. هذه ليست ضربات عشوائية، بل جزء من مدرسة استراتيجية معروفة في العلوم السياسية والعسكرية تقوم على إنهاك الدولة المستهدفة داخلياً، وخلق ضغوط شعبية تجعل النظام السياسي نفسه مهدداً من الداخل قبل أن يُهزم عسكرياً.

عندما تتعرض دولة مثل إيران لضربات تمس منشآت حيوية مرتبطة بحياة المواطنين اليومية، فإن الأزمة هنا لا تصبح فقط أزمة مواجهة مع الخارج، بل أزمة قدرة النظام على الحفاظ على الاستقرار الداخلي. وهنا تبدأ معادلة أكثر تعقيدًا؛ النظام الإيراني يدرك أن استمرار الضغط الأمريكي بهذا الشكل يعني فتح الباب أمام اضطرابات داخلية قد تكون أخطر عليه من الحرب ذاتها.

لكن في المقابل ، إيران ليست دولة بلا أوراق ضغط. على مدار سنوات بنت طهران منظومة ردع إقليمية معقدة هدفها الأساسي ضمان أن أي محاولة لإضعافها ستأتي بتكلفة باهظة على خصومها وحلفاء واشنطن في المنطقة.

لهذا كان من الطبيعي أن تسعى دائمًا لإثبات أن قدراتها لم تُشل بالكامل وأن لديها ما يكفي لإلحاق الضرر بمصالح خصومها متى أرادت. غير أن التطورات الأخيرة كشفت تحولًا مهمًا في ميزان الردع.

جزء كبير من القدرات الصاروخية الإيرانية التي كانت تمثل مصدر التهديد الأساسي لحلفاء واشنطن في الخليج والمنطقة واجه أنظمة دفاعية متطورة جرى تطويرها وتزويد الحلفاء بها خلال السنوات الأخيرة تحديدًا لتحجيم هذه الورقة الإيرانية. وهنا بدأ يتراجع تأثير واحدة من أهم أدوات الضغط التقليدية لدى طهران.

في هذه اللحظة تحديداً يظهر مضيق هرمز باعتباره الورقة الأخطر المتبقية. الحديث عن إغلاق المضيق ليس مجرد تهديد عسكري محدود ، بل رسالة استراتيجية للعالم بأسره. نحن نتحدث عن شريان بحري يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة ضخمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال المنقول بحرًا. أي اضطراب في هذا الممر لا ينعكس فقط على الولايات المتحدة، بل يضرب الاقتصاد العالمي بالكامل ويرفع أسعار الطاقة والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد الدولية بصورة قد تكون كارثية.

بمعنى آخر، إيران تريد أن تقول إنها ما زالت تمتلك القدرة على نقل المعركة من حدودها الجغرافية إلى قلب الاقتصاد العالمي نفسه ، وهذه ورقة لا تستطيع القوى الكبرى تجاهلها بسهولة.

لكن المفاجأة التي زادت تعقيد الحسابات الأمريكية ، أن تقارير استخباراتية حديثة تحدثت عن قدرة إيران على استعادة جزء كبير من بنيتها الصاروخية تحت الأرض بسرعة لافتة، رغم الضربات السابقة. ما جرى كشفه يشير إلى أن البنية العسكرية الإيرانية العميقة ، خاصة المنشآت المحصنة أسفل الجبال، لم تتعرض للتدمير الكامل كما كان متوقعاً، وأن طهران ما زالت تحتفظ بجزء كبير من مخزونها الاستراتيجي القادر على استخدامها مستقبلًا.

هذه النقطة تحديداً تفسر جانباً من الخلافات التي تظهر أحياناً بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية في التعامل مع إيران. هناك اتجاه يرى أن الهدف هو إخضاع النظام الإيراني وتقييد قدراته وإجباره على الالتزام بشروط معينة، وهناك اتجاه آخر أكثر تطرفاً يسعى لإنهاء التهديد الإيراني جذرياً حتى لو تطلب ذلك إسقاط النظام نفسه.

هنا نفهم لماذا يستمر التفاوض رغم استمرار التصعيد. إيران لا تذهب إلى المفاوضات لأنها انهارت، والولايات المتحدة لا تدفع نحو التفاوض لأنها فشلت. الطرفان وصلا إلى نقطة يدرك فيها كل منهما أن الاستمرار في التصعيد الكامل يحمل تكلفة هائلة، وأن كليهما ما زال يمتلك أوراقًا يمكن استخدامها لتحسين شروط التفاوض.

أما السؤال حول ما إذا كان قبول إيران بالاتفاق يعني خضوعاً لواشنطن، فالإجابة تعتمد بالكامل على تفاصيل الاتفاق نفسه. إذا كان الاتفاق سيقوم على التزامات نووية محددة مقابل رفع الضغوط الاقتصادية وضمانات بعدم استهداف إيران مستقبلًا والإفراج عن الأصول المجمدة، فإن الأمر هنا يدخل في إطار إعادة ترتيب المصالح وليس الاستسلام السياسي كما يحاول البعض تصويره.

المعضلة الأكبر تبدو اليوم في الموقف الإسرائيلي. هناك قلق واضح داخل إسرائيل من أي اتفاق يمنح إيران فرصة لإعادة بناء مشروعها الاستراتيجي على المدى البعيد. تل أبيب تدرك أن أي تفاهم مؤقت قد يجمّد الأزمة لكنه لا ينهيها ، وهو ما يفسر التحفظات الإسرائيلية الواضحة تجاه أي مسار تفاوضي لا يضمن تحجيمًا كاملًا ودائماً للقدرات الإيرانية.

الخلاصة أن المشهد الدولي لا يُقرأ بالشعارات، ولا تُفهم الحروب الحديثة بمنطق المنتصر والمهزوم كما يروج البعض. ما يجري الآن هو صراع إرادات معقد، كل طرف فيه يحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ ، وتقليل خسائره، وانتزاع أفضل موقع ممكن على طاولة التفاوض.

وفي السياسة ، كثيراً ما يكون الذهاب إلى التفاوض ليس دليل ضعف. بل اعترافاً متبادلًا بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من قدرة الجميع على تحمل نتائجها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى