من ألبانيا إلى قبرص .. هل تُبنى خريطة نفوذ جديدة حول مصر وتركيا في شرق المتوسط؟

✍️ يوحنا عزمي
في وسط انشغال العالم بالحروب المشتعلة من أوكرانيا إلى غزة، ومن البحر الأحمر إلى الملف الإيراني، تبدو هناك تحركات أخرى أقل صخبًا وأكثر هدوءًا تجري بعيدًا عن عيون الرأي العام. تحركات قد تبدو للوهلة الأولى مجرد استثمارات سياحية أو مشاريع اقتصادية عابرة، لكنها عند وضعها داخل السياق الجيوسياسي الأوسع تثير العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة المرحلة المقبلة في شرق المتوسط وشمال إفريقيا.
ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته فقط من زاوية الاقتصاد أو الاستثمار، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءًا من عملية إعادة تشكيل واسعة لخريطة النفوذ والتحالفات والمواقع الاستراتيجية في المنطقة. فالدول لا تستثمر مليارات الدولارات في مناطق حساسة جغرافيًا دون أن تكون هناك حسابات تتجاوز العائد المالي المباشر، خاصة عندما يتعلق الأمر بجزر وممرات بحرية ومواقع سبق أن امتلكت أهمية عسكرية واستخباراتية كبيرة عبر التاريخ.
في هذا السياق يبرز المشروع الذي تقوده شركة استثمارية مرتبطة بجاريد كوشنر في ألبانيا، والذي يتم تقديمه للرأي العام باعتباره مشروعاً سياحياً ضخمًا يهدف إلى تطوير جزيرة سازان ومناطق ساحلية أخرى. ورغم أن الرواية الرسمية تتحدث عن منتجعات فاخرة واستثمارات عقارية، فإن بعض المراقبين يرون أن اختيار هذه المواقع تحديدًا ليس أمرًا عشوائيًا، بل يرتبط بقيمتها الاستراتيجية وموقعها الجغرافي الحساس عند نقطة التقاء مسارات بحرية تربط أوروبا بشرق المتوسط.
جزيرة سازان تحديدًا ليست مجرد قطعة أرض جميلة تصلح للسياحة، بل هي موقع يمتلك تاريخًا عسكريًا طويلًا يعود إلى حقبة الحرب الباردة، حيث تضم أنفاقًا ومنشآت وملاجئ تم إنشاؤها لأغراض دفاعية. ولهذا يرى البعض أن إعادة إحياء الجزيرة اقتصاديًا قد يمنح مستقبلًا فرصًا لاستخدامات تتجاوز الأهداف المعلنة، خصوصًا في عالم أصبحت فيه الحدود بين المنشآت المدنية والعسكرية أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
المسألة لا تتوقف عند ألبانيا وحدها. فالمشهد الأوسع يكشف عن شبكة متنامية من العلاقات الإسرائيلية مع دول شرق المتوسط، وعلى رأسها اليونان وقبرص. خلال السنوات الأخيرة انتقلت هذه العلاقات من مستوى التعاون الدبلوماسي التقليدي إلى مستويات أكثر عمقًا تشمل المناورات العسكرية والتنسيق الأمني ومشروعات الطاقة والربط الكهربائي والتعاون الاستخباراتي.
وعندما ننظر إلى خريطة المنطقة نجد أن معظم هذه التحركات تتم في مواقع تمتلك أهمية استراتيجية استثنائية، سواء فيما يتعلق بخطوط الملاحة البحرية أو مشاريع الغاز والطاقة أو السيطرة على طرق التجارة الدولية. لذلك فإن أي مراقب استراتيجي لا يستطيع تجاهل حقيقة أن شرق المتوسط يتحول تدريجيًا إلى أحد أهم مسارح التنافس الدولي خلال العقود القادمة.
اللافت للنظر أن إسرائيل لم تعد تعتمد فقط على تفوقها العسكري التقليدي، بل أصبحت تعمل على بناء شبكة نفوذ إقليمية متشابكة تعتمد على الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتحالفات الأمنية في الوقت نفسه. هذه المقاربة تمنحها قدرة أكبر على الحركة والتأثير دون الحاجة إلى خوض مواجهات مباشرة في كل مرحلة.
ومن هنا تظهر أهمية السؤال المتعلق بمصادر التمويل. فالكثير من الاستثمارات والصناديق المالية التي تتحرك في المنطقة تعتمد على رؤوس أموال قادمة من دول مختلفة، بعضها عربي. وبينما تنظر هذه الدول إلى استثماراتها باعتبارها قرارات اقتصادية بحتة، يرى منتقدو هذه السياسات أن جزءًا من هذه الأموال قد يساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز قدرات إسرائيل الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.
الأمر ذاته ينطبق على صفقات السلاح والتكنولوجيا العسكرية التي شهدت نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. فإسرائيل أصبحت واحدة من أكبر مصدري الأنظمة الدفاعية والطائرات المسيرة وتقنيات الحرب الإلكترونية في العالم، وهو ما وفر لها موارد مالية ضخمة ساعدتها على توسيع صناعاتها العسكرية وتعزيز حضورها الإقليمي.
لكن النقطة الأكثر أهمية ليست ما إذا كانت هذه التحركات تستهدف مواجهة وشيكة مع دولة بعينها، فمثل هذه السيناريوهات تظل محل نقاش وتقدير بين الخبراء، وإنما تكمن في حقيقة أن المنطقة بأكملها تشهد إعادة اصطفاف إستراتيجي واسعة النطاق. هناك سباق نفوذ يجري في شرق المتوسط، وهناك محاولات متسارعة لتأمين الممرات البحرية ومصادر الطاقة وبناء شبكات تحالف طويلة الأمد.
في هذا الإطار تظل مصر وتركيا قوتين إقليميتين كبيرتين لا يمكن تجاوزهما في أي معادلة مستقبلية تخص شرق المتوسط أو شمال إفريقيا. ولهذا فإن أي تحركات جيوسياسية كبرى في محيطهما الطبيعي ستظل محل متابعة دقيقة من مؤسسات الدولة والأجهزة المعنية في البلدين، سواء كانت هذه التحركات اقتصادية أو عسكرية أو أمنية.
الخلاصة أن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد سلسلة من المشروعات الاستثمارية المنفصلة، كما قد لا يكون بالضرورة جزءًا من مؤامرة مكتملة الأركان كما يذهب البعض. لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوة والنفوذ، وأن قراءة الأحداث بشكل منفصل عن بعضها لم تعد كافية لفهم الصورة الكاملة.
وفي عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، وتتحول فيه الجزر السياحية إلى مواقع استراتيجية محتملة، وتصبح الاستثمارات أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات، فإن الوعي بما يحدث حولنا لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة لفهم شكل الشرق الأوسط الذي يتكون أمام أعيننا بصمت.



