تقرير أمريكي يربك حسابات ترامب .. هل استعادت إيران قدراتها العسكرية أسرع مما كان متوقعاً ؟

✍️ يوحنا عزمي
في عالم السياسة والعلاقات الدولية ، لا تُقاس نتائج الحروب دائماً بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو بحجم الدمار الذي ظهر في الصور الأولى للقصف، وإنما تُقاس بقدرة الأطراف المتصارعة على الصمود واستعادة التوازن بعد انتهاء الضربة الأولى. ولهذا يبدو أن إحدى أكثر القضايا إحراجاً للإدارة الأمريكية في المرحلة الحالية لا تتعلق بما حققته العمليات العسكرية ضد إيران، بل بما حدث بعدها.
فعلى مدار الأشهر الماضية، حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تقديم صورة متكررة للرأي العام مفادها أن الضغوط العسكرية والاقتصادية دفعت طهران إلى حافة القبول بالشروط الأمريكية ، وأن إيران أصبحت تبحث عن مخرج سياسي عبر التفاوض. ومن الناحية الشكلية ، قد يبدو هذا الطرح صحيحًا، إذ إن المفاوضات بالفعل قائمة.
لكن السؤال الذي يتجاهله كثيرون هو : أي اتفاق تريده إيران؟ وبأي شروط؟ وهل تتوافق أهدافها مع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية أم تتعارض معها جذرياً ؟
الواقع أن مجرد الجلوس إلى طاولة التفاوض لا يعني الاستسلام، كما أن الدخول في محادثات سياسية لا يُعد اعترافًا بالهزيمة. فالتاريخ مليء بدول فاوضت خصومها في الوقت الذي كانت تعيد فيه ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها استعدادًا لجولات جديدة من الصراع. ولذلك فإن تقييم الموقف الإيراني لا ينبغي أن يعتمد فقط على الخطاب السياسي ، بل على ما يحدث فعلياً على الأرض.
في هذا السياق، يكتسب التقرير الذي نشرته شبكة CNN أهمية استثنائية، ليس فقط لأنه صدر عن مؤسسة إعلامية أمريكية كبرى، وإنما لأنه اعتمد على تحليل صور أقمار صناعية ومعلومات ميدانية تتعلق بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية. ووفقًا لما أورده التقرير ، فإن إيران تمكنت من إعادة فتح معظم المداخل التي تعرضت للاستهداف خلال الحرب الأخيرة، كما نفذت عمليات واسعة لإزالة آثار القصف وإعادة تأهيل الطرق والمنشآت المرتبطة بمواقع الصواريخ تحت الأرض.
هذه المعطيات تطرح تساؤلات محرجة للخطاب الذي روّج لانتصار حاسم أدى إلى شل القدرات الإيرانية. فإذا كانت المنشآت المستهدفة استعادت جزءًا كبيرًا من كفاءتها التشغيلية خلال فترة زمنية محدودة نسبياً ، فإن ذلك يعني أن حجم التأثير الاستراتيجي للضربات ربما كان أقل بكثير مما تم الترويج له سياسيًا وإعلامياً.
الأهم من ذلك أن التقرير يكشف جانبًا طالما أثار الجدل بين الخبراء العسكريين ، وهو الفرق بين تعطيل المنشآت وتدميرها.
فالاستراتيجية الجوية الحديثة تستطيع إغلاق مداخل الأنفاق واستهداف الطرق وشبكات الإمداد وإلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية الظاهرة، لكنها تواجه تحديات أكبر عندما يتعلق الأمر بمنشآت محصنة تحت طبقات هائلة من الصخور والتربة. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تم القضاء على القدرات العسكرية نفسها أم تم فقط تعطيل الوصول إليها لفترة مؤقتة؟
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم سبب القلق الذي قد يثيره التقرير داخل دوائر صنع القرار الأمريكية. لأن أي تقييم يشير إلى أن إيران استطاعت استعادة جزء كبير من جاهزيتها خلال فترة قصيرة سيعني أن الإنجازات العسكرية التي تم الترويج لها بدأت تتآكل تدريجيًا مع مرور الوقت، وأن نتائج الحرب لم تكن بالحسم الذي صُورت به أمام الرأي العام الأمريكي.
لكن القضية لا تتوقف عند الداخل الأمريكي وحده. فهناك بعد دولي أكثر تعقيدًا يتعلق بالسؤال الدائم حول مصادر القوة الإيرانية وقدرتها على الاستمرار رغم العقوبات والحروب والضغوط المتراكمة. فإعادة بناء منشآت عسكرية وإصلاح شبكات لوجستية متضررة يحتاج إلى موارد مالية وتقنية وبشرية ضخمة، وهو ما يدفع كثيرًا من المحللين إلى ربط المشهد بالدعم السياسي والاقتصادي والتكنولوجي الذي تحصل عليه طهران من قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها روسيا والصين، اللتان تنظران إلى إيران باعتبارها أحد أهم مراكز التوازن في مواجهة النفوذ الأمريكي في آسيا والشرق الأوسط.
ومن هنا تتضح خطورة المشهد الإقليمي. فالقضية لم تعد مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع بين مشاريع دولية متنافسة، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية بصورة تجعل أي تصعيد جديد أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة من السابق.
وإذا كانت الحرب الأخيرة قد كشفت حدود القوة الجوية في تحقيق الحسم الكامل، فإنها كشفت أيضًا أن مرحلة ما بعد الحرب قد تكون أخطر من الحرب نفسها. لأن الأطراف المختلفة تبدأ خلالها في مراجعة حساباتها واستخلاص الدروس والاستعداد للجولة التالية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح أي تقرير استخباراتي أو إعلامي يوحي بأن الخصم استعاد عافيته عامل ضغط إضافي يدفع بعض الأطراف إلى التفكير في خيارات أكثر حدة وأكثر خطورة.
لهذا السبب ينظر كثير من المتابعين بقلق إلى التطورات الجارية في المنطقة، سواء في لبنان أو الخليج أو الملف الإيراني نفسه. فكل المؤشرات تدل على أن الصراع لم يصل إلى نهايته، بل ربما يكون في مرحلة إعادة التموضع وإعادة بناء القدرات بانتظار لحظة سياسية أو عسكرية مناسبة لعودة المواجهة بشكل أكثر عنفًا.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم في العلاقات الدولية أن الحروب الكبرى لا تُحسم بالتصريحات الإعلامية ولا بالعناوين العريضة، بل بقدرة الدول على الصمود وإعادة إنتاج قوتها. وعندما تتقارب موازين القوى بين أطراف متنافسة وتحظى كل جهة بداعمين دوليين يمتلكون نفوذًا واسعًا، تصبح الحسابات أكثر تعقيدًا، ويصبح الخطأ الواحد قادرًا على إشعال أزمات تتجاوز حدود الدول المتحاربة لتطال المنطقة بأكملها. وفي مثل هذه اللحظات، يكون الخطر الأكبر على الدول والشعوب التي تجد نفسها داخل مسرح الصراع دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيه، لأنها غالبًا ما تدفع ثمن التنافس بين الكبار أكثر مما يدفعه المتنافسون أنفسهم.



