مقالات

الدبلوماسية كأداة استنزاف : كيف توظف واشنطن مسار التفاوض لإبقاء إيران داخل دائرة الضغط والانتظار؟

✍️بقلم : يوحنا عزمي

إذا كانت المؤشرات المتداولة صحيحة بشأن استعداد طهران وواشنطن للعودة إلى مسار تفاوضي جديد بوساطة إسلام آباد ، فإن ذلك لا يعكس مجرد رغبة عابرة في تهدئة التوتر ، بقدر ما يكشف عن إدراك متبادل بأن كلفة المواجهة المباشرة تجاوزت حدود القدرة على الاحتمال ، وأن ما يمكن تحصيله عبر طاولة التفاوض بات يفوق ما قد تحققه جبهة القتال.

هذا التحول لا يأتي من فراغ ، ولا يمكن قراءته باعتباره مجرد استجابة لظروف آنية ، بل هو نتاج تراكم ضغوط استراتيجية واقتصادية وعسكرية دفعت الطرفين إلى إعادة ترتيب أولوياتهما، بحيث تتقدم الدبلوماسية مرحلياً على حساب منطق الصدام.

غير أن هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول دوافعه الحقيقية. فالتسريبات التي تتحدث عن استعداد إيراني لتقديم تنازلات لم تكن مطروحة سابقاً ، سواء في ما يتعلق بملف التخصيب النووي ، أو التعويضات ، أو مرونة أكبر في ملف العقوبات ، تعني أن طهران تعيد حساباتها تحت ضغط واقع شديد القسوة.

في المقابل ، تبدو التصريحات الصادرة عن دونالد ترامب متضاربة إلى حد يشي بأن واشنطن تتعمد إدارة ضباب كثيف حول حقيقة موقفها ؛ مرة تتحدث عن استجابة لوساطات خليجية، ومرة تشير إلى “تطورات إيجابية” غامضة، ومرة ثالثة تصوّر العودة للتفاوض باعتبارها نتيجة انهيار إيراني كامل. هذا التناقض لا يمكن فصله عن طبيعة السلوك الأمريكي التفاوضي القائم على الإرباك المتعمد للخصم ، ودفعه إلى اتخاذ قراراته في بيئة معلوماتية مضللة.

المشهد الإقليمي لا يساعد على الاطمئنان إلى نوايا هادئة. في مضيق هرمز ما يزال بؤرة توتر ، وأزمة الطاقة العالمية تتفاقم، والحصار البحري والاقتصادي المفروض على إيران مستمر، والتهديدات الإسرائيلية لم تتوقف. في مثل هذا السياق، يصعب تصور أن الولايات المتحدة تبحث فعلاً عن تسوية مستقرة بقدر ما تسعى إلى إدارة الأزمة بطريقة تمنحها الوقت وتستنزف خصمها، دون أن تدفع هي ثمن الانزلاق إلى حرب شاملة.

القلق الحقيقي يتمثل في احتمال أن ترى طهران في هذه المرونة التفاوضية مخرجاً سريعاً من أزمتها، بينما يكون الهدف المقابل هو إبقاؤها معلقة داخل دائرة انتظار طويلة، تراهن فيها على اتفاق قد لا يرى النور. فاستراتيجية الاستنزاف لا تقوم فقط على العقوبات والحشود العسكرية، بل على إنهاك الإرادة السياسية للخصم، وإبقائه في موقع الدفاع ورد الفعل ، فاقداً للمبادرة ، ومشغولاً بإدارة أزماته الداخلية والخارجية في آن واحد.

بهذا المعنى ، لا تبدو العودة إلى التفاوض نهاية لمسار التصعيد، بل مرحلة من مراحله. مرحلة تُستخدم فيها الدبلوماسية كأداة ضغط إضافية ، لا كمدخل حقيقي للتسوية. فالرهان الأمريكي ـ الإسرائيلي يبدو منصباً على الزمن ، وعلى تعميق شعور القيادة الإيرانية بأن الخيارات تضيق تدريجياً ، وأن كل يوم يمر دون اتفاق يزيد كلفة الصمود ، ويعمق الانقسام الداخلي، ويضعف القدرة على اتخاذ قرارات جذرية.

إيران ، في هذه اللحظة ، تتحرك في مساحة شديدة الخطورة، بين حقول من الألغام السياسية والعسكرية والاقتصادية ، حيث يبدو التفاوض خياراً أقل خطراً من الحرب ، لكنه قد يتحول إلى مسار أطول وأكثر استنزافاً من المواجهة ذاتها. وفي المقابل ، تمتلك واشنطن من الأدوات ما يسمح لها بإفشال أي جولة تفاوضية متى شاءت، وإعادتها إلى نقطة البداية، بعد أن تكون قد استهلكت قدراً كبيراً من طاقة خصمها وقدرته على الاحتمال.

من هنا ، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى جدية العودة إلى التفاوض، بل بمدى إدراك طهران لطبيعة اللعبة التي تُدار حولها؛ لعبة لا يكون الهدف فيها الوصول إلى اتفاق بقدر ما يكون الهدف إبقاء الخصم في حالة انتظار دائم لاتفاق مؤجل ، حتى يفقد تدريجياً القدرة على كسر الحلقة والخروج منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى