ترامب يهدد عُمان .. هل بدأت معركة إسقاط الهيمنة الأمريكية على مضيق هرمز؟

✍️ يوحنا عزمي
ما يحدث اليوم في الخليج ليس مجرد خلاف عابر حول حرية الملاحة أو ترتيبات أمنية تخص مضيق هرمز، بل هو صراع مفتوح على من يملك حق التحكم في شريان الطاقة الأهم في العالم، ومن يملك القدرة على رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط. التصريحات الأمريكية الأخيرة تجاه سلطنة عُمان لم تأتِ من فراغ ، ولم تكن مجرد انفعال سياسي عابر من دونالد ترامب أو تهديد انتخابي للاستهلاك الإعلامي ، بل تعكس حالة قلق حقيقية داخل واشنطن من تحولات تجري بهدوء في المنطقة قد تنتهي بتقليص النفوذ الأمريكي بصورة غير مسبوقة.
حين يخرج ترامب متحدثاً عن “تدمير” سلطنة عُمان إذا تحركت بالتنسيق مع إيران لفرض واقع جديد داخل مضيق هرمز، فهذا يكشف حجم الحساسية الأمريكية تجاه أي محاولة لنقل إدارة أمن الخليج من المظلة الغربية إلى تفاهمات إقليمية مستقلة. الولايات المتحدة لا تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد ممر مائي ، بل تعتبره أحد أهم أدوات الهيمنة الاستراتيجية في العالم ، لأن من يتحكم فعلياً في هرمز يستطيع التأثير على أسعار النفط والطاقة والتجارة الدولية ، وبالتالي يمتلك ورقة ضغط هائلة على الصين وروسيا وأوروبا وحتى الاقتصادات الناشئة.
الرسائل الأمريكية المتتالية ، سواء عبر التهديد العسكري أو سلاح العقوبات الاقتصادية، تعكس إدراكاً متزايداً بأن هناك ترتيبات تُطبخ بعيداً عن الإرادة الأمريكية. الحديث الذي خرج من طهران حول “نظام جديد لعبور السفن” لم يكن تصريحاً عادياً ، بل بمثابة إعلان غير مباشر عن محاولة إعادة تعريف قواعد السيطرة داخل الخليج. الأخطر بالنسبة لواشنطن أن عُمان ، المعروفة تاريخياً بسياساتها الهادئة والمتوازنة ، لم تعد تتحرك فقط كوسيط دبلوماسي ، بل كدولة تحاول بناء معادلة أمنية إقليمية تمنح دول الخليج وإيران مساحة أكبر لإدارة ملفاتها بعيداً عن النفوذ الأجنبي.
هنا تحديداً بدأ القلق الأمريكي يتحول إلى غضب. لأن نجاح مثل هذا المشروع يعني عملياً تراجع الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي المكثف في الخليج، ويعني أيضاً سقوط واحدة من أهم أوراق الضغط التي تستخدمها واشنطن ضد خصومها الدوليين. الولايات المتحدة لا تريد فقط إبقاء المضيق مفتوحاً ، بل تريد أن يبقى مفتوحاً بشروطها هي ، وتحت رقابتها هي ، وفي التوقيت الذي يخدم استراتيجياتها الاقتصادية والعسكرية.
وفي المقابل ، تبدو إيران وكأنها تستثمر اللحظة الإقليمية والدولية بأقصى درجة ممكنة. فطهران تدرك أن العالم يعيش حالة إنهاك سياسي واقتصادي ، وأن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة كل الجبهات بنفس القوة القديمة ، لذلك تحاول تحويل مضيق هرمز من نقطة تهديد إلى ورقة تفاوض استراتيجية تفرض بها نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها. أما عُمان ، فتتحرك بحذر شديد بين النار الأمريكية والرغبة الخليجية في تخفيف التوترات ، لكنها تعلم جيداً أن أي خطوة إضافية في هذا المسار قد تجعلها في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
الأزمة الحقيقية هنا ليست في التصريحات وحدها ، بل في ما تكشفه من تغيرات عميقة داخل بنية التوازنات الإقليمية. الخليج الذي اعتادت أمريكا أن تديره منفردة بدأ يبحث عن هامش استقلال أكبر ، وبعض العواصم الخليجية لم تعد مقتنعة بالكامل بأن المظلة الأمريكية قادرة على ضمان الاستقرار كما كان يحدث سابقاً.
لذلك تحاول واشنطن استخدام لغة التهديد القصوى ليس فقط ضد عُمان، بل كرسالة ردع إلى بقية دول المنطقة حتى لا تنجرف نحو تفاهمات إقليمية جديدة مع إيران أو الصين أو روسيا بعيداً عن الإرادة الأمريكية.
لكن السؤال الأخطر الآن: هل تستطيع أمريكا فعلاً منع هذا التحول؟ أم أن المنطقة بدأت بالفعل تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة التقليدية لصالح توازنات أكثر تعقيداً؟
الأيام القادمة وحدها ستكشف إن كانت تهديدات واشنطن قادرة على إعادة الجميع إلى بيت الطاعة الأمريكي، أم أن الخليج يستعد لكتابة معادلة مختلفة قد تغيّر شكل المنطقة بالكامل.



