بوليفيا تحترق .. كيف أشعل الليثيوم وصندوق النقد أخطر انفجار سياسي في أمريكا اللاتينية؟

✍️ يوحنا عزمي
بينما ينشغل العالم بالحروب الكبرى في الشرق الأوسط وأوكرانيا، تشتعل في قلب أمريكا اللاتينية أزمة قد تبدو بعيدة جغرافياً، لكنها كاشفة لطبيعة الصراع الحقيقي الدائر عالمياً بين الشعوب والنفوذ الدولي. بوليفيا اليوم لا تواجه مجرد احتجاجات اقتصادية عابرة، بل تعيش لحظة انفجار سياسي واجتماعي تهدد بإسقاط كامل للتوازن الداخلي ، بعدما تحولت العاصمة لاباز إلى مدينة شبه محاصرة بالمتاريس والإضرابات ونقص الغذاء والوقود، في مشهد يعكس حجم الغضب الشعبي المتراكم منذ سنوات.
الأزمة الحالية لم تولد فجأة ، بل هي نتيجة مباشرة لانهيار النموذج الاقتصادي الذي حكم البلاد لعقدين تحت راية اليسار الشعبوي. بوليفيا التي كانت تملك واحدًا من أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في القارة، تحولت تدريجياً من دولة مصدرة للطاقة إلى دولة عاجزة عن توفير الدولار اللازم لاستيراد الوقود.
الإنتاج انهار بسبب سوء الإدارة وغياب الاستثمار الحقيقي، بينما استنزفت الحكومات المتعاقبة عوائد الثروات الطبيعية في سياسات إنفاق قصيرة المدى صنعت شعبية سياسية مؤقتة لكنها لم تبن اقتصاداً قادراً على الإستمرار.
ومع تراجع الثقة في اليسار ، جاء اليمين إلى الحكم محمولًا على وعود الإنقاذ والانفتاح الاقتصادي ، مدعوماً بشكل واضح من واشنطن التي رأت في التحول السياسي فرصة لإعادة تشكيل نفوذها داخل واحدة من أهم دول القارة استراتيجيا. لكن الصدمة كانت أن ما قُدم للشعب باعتباره مشروعاً للإصلاح الاقتصادي، لم يكن سوى النسخة التقليدية من وصفات صندوق النقد الدولي : رفع الدعم ، تحرير أسعار الوقود ، وتقليص الإنفاق الاجتماعي ، في بلد يعتبر فيه دعم الطاقة جزءًا من العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الدولة والمواطن.
الرئيس البوليفي الحالي تعامل مع الاقتصاد باعتباره معادلات مالية يمكن إصلاحها بالأرقام، متجاهلًا أن خلف تلك الأرقام مجتمعاً كاملًا يعيش أصلًا على حافة الانفجار. لذلك لم يكن غريباً أن تتحول قرارات رفع الدعم إلى شرارة أشعلت غضب النقابات التاريخية في بوليفيا ، وهي قوى تمتلك نفوذاً حقيقياً في الشارع يفوق أحياناً نفوذ الأحزاب نفسها. عمال المناجم ، الفلاحون ، وسائقو النقل لم يتعاملوا مع الأزمة باعتبارها مجرد خلاف سياسي ، بل كمعركة بقاء، ولهذا انتقلت الاحتجاجات بسرعة من المظاهرات إلى شلل شبه كامل للدولة، بعدما أُغلقت الطرق الحيوية وتم حصار العاصمة فعلياً.
لكن أخطر ما في المشهد أن الأزمة لم تعد داخلية فقط. فمع تصاعد الاحتجاجات، ظهر البعد الجيوسياسي بوضوح، وبدأت الولايات المتحدة تتحرك بشكل مباشر لحماية الحكومة الحالية، ليس حبًا في الديمقراطية كما تروج دائمًا، بل لأن بوليفيا تمتلك ما يمكن اعتباره اليوم “نفط القرن الحادي والعشرين”؛ الليثيوم. هذا المعدن الذي تعتمد عليه صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا الحديثة، أصبح أحد أهم أسلحة الصراع الدولي القادم بين واشنطن وبكين.
أمريكا تدرك جيداً أن خسارة بوليفيا لصالح تيار يساري معادٍ لها، قد تعني فتح أكبر احتياطي ليثيوم في العالم أمام الصين وروسيا، وهو ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لمستقبل صناعاتها التكنولوجية. لذلك لم يكن مفاجئًا أن تصف واشنطن ما يحدث بأنه “محاولة انقلاب”، وأن تعلن دعمها الكامل للرئيس الحالي، في رسالة واضحة بأن سقوط النظام في لاباز لن يُنظر إليه كحدث محلي ، بل كهزيمة جديدة للنفوذ الأمريكي داخل أمريكا اللاتينية.
وفي المقابل، دخلت حكومات يسارية في القارة على خط الأزمة، معتبرة أن ما يجري هو تمرد شعبي ضد الهيمنة الأمريكية وسياسات الإفقار المرتبطة بالمؤسسات المالية الدولية. وهكذا تحولت بوليفيا إلى ساحة صراع مفتوح بين مشروعين : مشروع أمريكي يريد تأمين الموارد الاستراتيجية وإعادة تشكيل القارة سياسياً واقتصادياً ، ومشروع لاتيني يساري يرى في المواجهة الحالية فرصة لإحياء خطاب التحرر من الوصاية الغربية.
الحقيقة التي تكشفها الأزمة البوليفية أن تغيير الحكومات وحده لا يصنع معجزات، وأن الانتقال من اليسار إلى اليمين أو العكس لا يعني بالضرورة الخروج من الأزمة طالما بقيت الدولة رهينة التبعية الاقتصادية للخارج. فالحكومات التي تفشل في إدارة مواردها، ثم تلجأ إلى تحميل المواطن تكلفة الفشل عبر رفع الأسعار وسحق الطبقات الفقيرة ، غالباً ما تفتح أبواب الفوضى على مصراعيها.
وفي النهاية ، لا ينتصر أحد ؛ لا السلطة التي تفقد شرعيتها، ولا الشعوب التي تدفع ثمن الصراع ، بينما تستمر القوى الكبرى في إدارة المعركة من خلف الستار دفاعاً عن مصالحها فقط.



