الهجوم على المنشآت النفطية السعودية .. إنذار مبكر لحرب إقليمية قد تغير وجه المنطقة

✍️ يوحنا عزمي
الهجوم الواسع الذي استهدف المنشآت النفطية السعودية يضع المنطقة أمام لحظة شديدة الحساسية ، ويعيد إلى الواجهة التحذيرات التي طالما أُطلقت بشأن خطورة الانزلاق نحو حرب إقليمية مفتوحة لا يمكن التكهن بنتائجها أو السيطرة على تداعياتها. فما جرى لا ينبغي النظر إليه باعتباره حادثاً عسكرياً معزولًا ، بل باعتباره مؤشراً على طبيعة المرحلة المقبلة إذا استمر منطق التصعيد المتبادل، حيث تصبح المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية الحيوية أهدافاً مباشرة، ويتحول الأمن الاقتصادي والطاقة إلى جزء من ساحة المعركة.
ومن وجهة نظر سياسية واستراتيجية ، تبدو المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التي تمتلك ما تخسره في أي مواجهة إقليمية واسعة. فالمملكة تقود مشروعاً اقتصادياً وتنموياً ضخماً يهدف إلى إعادة تشكيل اقتصادها وتنويع مصادر دخلها وجذب الاستثمارات العالمية، وهو مشروع يحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة أكثر مما يحتاج إلى ساحات صراع جديدة. ولذلك فإن أي حرب طويلة الأمد لن تستنزف القدرات العسكرية فقط، وإنما قد تلحق أضراراً مباشرة بالمقدرات الاقتصادية والثقة الاستثمارية، وهو ما يجعل كلفة الحرب أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة قد تتحقق على المستوى العسكري.
والتجربة اليمنية خلال السنوات الماضية تقدم درساً بالغ الأهمية لكل الأطراف. فمنذ اندلاع الحرب ، شهد اليمن واحدة من أعنف الحملات العسكرية في المنطقة، شاركت فيها قوى إقليمية ودولية، ومع ذلك لم تنته الأزمة بحسم عسكري واضح. بل على العكس، أثبتت السنوات أن استمرار العمليات العسكرية لم ينجح في إنهاء الصراع ، وإنما أدى إلى تعقيد المشهد وتطوير قدرات الأطراف المتحاربة، حتى أصبحت المواجهة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في بدايتها.
كما أن تاريخ المواجهة مع جماعة الحوثي يكشف نمطاً متكرراً يتمثل في أن الضغوط العسكرية، مهما بلغت شدتها، لم تؤدِ إلى إنهاء وجود الجماعة أو تفكيك بنيتها بصورة نهائية. فقد سبقت هذه الحرب جولات قتال متعددة داخل اليمن، ثم تلتها سنوات طويلة من العمليات العسكرية بقيادة التحالف العربي، إضافة إلى تدخلات عسكرية من قوى دولية، ومع ذلك ظل المشهد قائماً دون حسم نهائي. وهذا لا يعني بالضرورة استحالة تحقيق أهداف عسكرية في أي ظرف ، لكنه يشير إلى أن الاعتماد على القوة وحدها لم يكن كافياً لإنهاء الأزمة اليمنية، وأن الحل السياسي ظل عنصرًا لا غنى عنه في أي تصور واقعي لإنهاء الصراع.
وفي ظل التطورات الأخيرة، يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل يؤدي توسيع دائرة الحرب إلى تغيير المعادلات، أم أنه سيؤدي فقط إلى توسيع دائرة الخسائر؟ فالتجارب الإقليمية خلال العقود الماضية تشير إلى أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تنتهي بانتصارات حاسمة، بينما تترك وراءها استنزافاً اقتصادياً وأمنياً وإنسانياً يمتد لسنوات طويلة ، وتنتج أزمات جديدة قد تكون أكثر تعقيداً من الأسباب التي أشعلت الحرب في الأساس.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي لا يتعارض مع حق الدول في حماية أمنها القومي، بل يجعل البحث عن حلول سياسية ودبلوماسية أكثر إلحاحاً كلما ارتفع منسوب التصعيد. فالقوة العسكرية قد تفرض وقائع ميدانية مؤقتة ، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سلام دائم أو معالجة جذور الأزمات، خصوصاً في نزاعات متشابكة مثل الملف اليمني.
كما أن دعم مشاريع التنمية والإصلاح في المنطقة يقتضي توفير بيئة مستقرة تسمح لهذه المشاريع بالاستمرار وتحقيق أهدافها. وأي مواجهة إقليمية واسعة قد تفرض أثماناً باهظة على الجميع، لكن حجم المخاطر يختلف من دولة إلى أخرى بحسب حجم استثماراتها ومشروعاتها الاستراتيجية وطبيعة اقتصادها، وهو ما يجعل حسابات الحرب أكثر تعقيداً من مجرد حسابات الربح والخسارة العسكرية.
وفي النهاية، فإن المشهد الراهن يبعث برسالة واضحة مفادها أن استمرار التصعيد يحمل مخاطر متزايدة على جميع الأطراف، وأن كل خطوة نحو توسيع دائرة المواجهة تجعل فرص التسوية أكثر صعوبة. لذلك، فإن أي رؤية تسعى إلى وقف النزاعات عبر حلول سياسية شاملة ، ومعالجة أسباب الصراع بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه، تستحق أن تكون جزءًا من النقاش الجاد حول مستقبل المنطقة، لأن البديل قد يكون المزيد من الاستنزاف والخسائر، في منطقة لم تعد تحتمل دورة جديدة من الحروب المفتوحة.



