ماذا يحدث عندما يتحول تغير المناخ من ظاهرة طبيعية إلى عامل ضغط على الإقتصاد والغذاء والأمن والاستقرار؟

بقلم : يوحنا عزمي
ربما يبدو اسم «إل نينيو» للوهلة الأولى وكأنه مجرد مصطلح علمي بعيد عن تفاصيل حياتنا اليومية، لكن الحقيقة أن ما يحدث حالياً في المحيط الهادئ يستحق المتابعة باهتمام بالغ، ليس فقط من علماء المناخ ، وإنما أيضاً من الحكومات وصناع القرار والاقتصاديين والأجهزة المعنية بالأمن الغذائي والمياه والطاقة.
فنحن لا نتحدث عن ارتفاع عابر في درجات الحرارة، وإنما عن ظاهرة مناخية واسعة التأثير يمكن أن تعيد توزيع أنماط الأمطار والحرارة في مناطق متباعدة من العالم، بما ينعكس على الزراعة والمياه والأسعار والصحة والبنية التحتية، وبالتالي على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في عدد كبير من الدول.
والأهم أن التقديرات العلمية الحالية تشير إلى أن ظاهرة إل نينيو 2026-2027 مرشحة لأن تصبح قوية جداً خلال الأشهر المقبلة.
لكن ما هو إل نينيو أصلًا؟
ببساطة، إل نينيو هو جزء من ظاهرة مناخية طبيعية مرتبطة بالمحيط الهادئ، تحدث عندما ترتفع بصورة غير معتادة درجات حرارة سطح المياه في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي، بالتزامن مع تغيرات في حركة الرياح والغلاف الجوي.
وهذا الاضطراب لا يبقى محصوراً في المحيط الهادئ.
فالمحيط والغلاف الجوي يعملان كنظام مترابط، ولذلك يمكن لارتفاع حرارة مياه منطقة معينة أن يغير أنماط توزيع الحرارة والأمطار والرياح في مناطق بعيدة جداً عنها.
ولهذا السبب قد تواجه دولة ما موجات جفاف وحرائق، بينما تواجه دولة أخرى أمطاراً غزيرة وفيضانات ، وقد تتعرض منطقة ثالثة لموجات حرارة شديدة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة الظاهرة.
فالخطر ليس في «درجة حرارة المحيط» وحدها، وإنما في سلسلة التأثيرات التي يمكن أن تنتقل من المناخ إلى الغذاء والمياه والطاقة والأسعار والصحة والاقتصاد.
والأرقام الحالية بالفعل تستحق الانتباه.
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت في سبتمبر 2026 أن إل نينيو أصبح راسخاً بالفعل، وأنه من المتوقع أن يزداد قوة خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال يقارب 100% لاستمراره حتى فبراير 2027 وفق أحدث التوقعات التي عرضتها المنظمة.
كما حذرت المنظمة من أن قوة الظاهرة يمكن أن تؤدي إلى تغيرات كبيرة في أنماط الحرارة والأمطار عالمياً، بما يزيد مخاطر موجات الحر والجفاف والأمطار الشديدة والفيضانات.
أما ما يجعل المشهد أكثر إثارة للانتباه ، فهو أن تقارير علمية وإعلامية حديثة تحدثت عن احتمال وصول شذوذ درجات حرارة مياه منطقة إل نينيو إلى مستويات استثنائية قرب نهاية عام 2026.
صحيفة «الجارديان» نقلت في 21 سبتمبر أن حرارة المحيط في منطقة إل نينيو سجلت نحو 3.05 درجات مئوية فوق المتوسط، وأن بعض النماذج تشير إلى إمكانية الاقتراب من 4 درجات مئوية عند الذروة. كما نقلت عن علماء أن حدثاً بهذه القوة قد يكون الأكبر منذ قرون ، مع وجود قدر من عدم اليقين في مثل هذه التقديرات طويلة المدى.
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة:
رقم 4 درجات ليس حقيقة حدثت بالفعل ، وإنما توقع لنموذج مناخي محتمل عند الذروة.
والعلم لا يتعامل مع التوقعات على أنها نتائج مؤكدة ، وإنما باعتبارها سيناريوهات احتمالية تساعد الحكومات على الاستعداد.
كما أن تعبير «سوبر إل نينيو» أو «جودزيلا» ليس تصنيفاً رسمياً تستخدمه المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ، فالمنظمة تعتمد تصنيفات مثل ضعيف ومتوسط وقوي وقوي جداً.
لكن مهما اختلفت المصطلحات ، فإن الرسالة الأساسية واحدة:
هناك ظاهرة مناخية قوية قادمة، والعالم يدخل معها أشهراً تحتاج إلى استعداد حقيقي.
وهنا نصل إلى الجزء الأهم: لماذا تتحول ظاهرة مناخية إلى قضية سياسية؟
لأن المناخ في القرن الحادي والعشرين لم يعد ملفاً بيئياً منفصلًا عن السياسة.
الجفاف يعني مياهاً أقل.
والمياه الأقل تعني إنتاجاً زراعياً أقل في بعض المناطق.
والإنتاج الأقل يعني ارتفاعاً محتملًا في أسعار الغذاء.
وارتفاع الأسعار يضغط على الأسر الأكثر فقراً.
وعندما تتزامن هذه التطورات مع ضعف اقتصادي أو نزاعات أو أزمات سياسية ، فإن آثارها الاجتماعية تصبح أكثر تعقيداً.
وهنا يتحول المناخ إلى عامل مضاعف للأزمات.
فالدولة التي تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية قد تجد نفسها أمام فاتورة استيراد غذاء أعلى، وضغط أكبر على العملة، واحتياجات إضافية للدعم، وضغوط على شبكات الكهرباء والمياه والصحة، فضلًا عن تكلفة إصلاح الأضرار الناتجة عن الفيضانات والحرائق وموجات الحرارة.
وهذا هو البعد السياسي الحقيقي للقصة.
وأمريكا اللاتينية تقدم مثالًا واضحاً على ذلك.
في 21 سبتمبر 2026، حذرت اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي «ECLAC» من أن سيناريو إل نينيو شديد القوة يمكن أن يؤدي إلى خسارة تراكمية لا تقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي على مدى ثلاث سنوات، مع احتمال دفع ما يصل إلى 4.8 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر بحلول نهاية العقد مقارنة بسيناريو عدم حدوث الظاهرة.
والأهم أن اللجنة لم تتعامل مع المسألة باعتبارها قضية مناخية فقط، وإنما قدمت توصيات تتعلق بالطاقة والزراعة والبنية التحتية والاستعداد المبكر.
وهذا يؤكد شيئاً مهماً :
الدول لا تستطيع مواجهة إل نينيو بالمظلات وشاحنات الإغاثة فقط، بل تحتاج إلى سياسات اقتصادية وزراعية ومائية ومالية تسبق الأزمة.
أما الجانب الإنساني ، فربما يكون الأكثر إثارة للقلق.
دراسة حديثة نشرها Climate Impact Lab، بمشاركة باحثين من جامعة شيكاغو، قدرت أن الحرارة الزائدة المرتبطة بظاهرة إل نينيو الحالية قد تؤدي إلى نحو 451 ألف وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة خلال الفترة التي تغطيها الدراسة ، مقارنة بمستويات الوفيات في السنوات المعتادة.
والدراسة لا تقول إن 451 ألف شخص «سيموتون حتماً»، وإنما تقدم تقديراً إحصائياً للوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة مقارنة بخط الأساس المستخدم في الدراسة.
كما قدرت زيادة الأيام شديدة الحرارة بنحو 44% خلال الفترة محل الدراسة.
وهنا تكمن أهمية الدراسة سياسياً ، لأن الباحثين لا يقدمون هذه الأرقام لمجرد إثارة الخوف، وإنما بهدف تحديد المناطق التي يمكن أن تنقذ فيها إجراءات الاستعداد المبكر أرواحاً.
ويشير التقرير إلى إجراءات عملية مثل أنظمة الإنذار من الحرارة، وتوفير أماكن للتبريد، وزيادة الوصول إلى المياه، وحماية العمال، ودعم الأنظمة الصحية في المناطق الأكثر تعرضاً.
إذن القضية ليست:
«هل سيحدث شيء أم لا؟»
بل:
«إذا كانت هناك مخاطر يمكن توقعها مسبقاً، فهل ستتحرك الدول قبل وقوعها أم تنتظر حتى تتحول التوقعات إلى خسائر فعلية؟»
وماذا عن مصر؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
مصر ليست دولة مطلة على المحيط الهادئ، وبالتالي فإن إل نينيو لا يصل إليها بصورة مباشرة كما يحدث في مناطق أخرى من العالم.
لكن هذا لا يعني أن مصر معزولة عن التأثيرات العالمية للظاهرة.
فالمنظمة العالمية للأرصاد الجوية نفسها تؤكد أن تأثيرات إل نينيو تختلف من منطقة إلى أخرى، وأن التفاعل مع ظواهر مناخية أخرى يمكن أن يعزز أو يضعف أو يغير الأنماط المعتادة للتأثير.
ولهذا فإن ما يجب أن تراقبه مصر ليس «إل نينيو» باعتباره حدثاً سيصل إلينا حرفياً ، وإنما التغيرات المحتملة في أنماط الطقس الإقليمية والعالمية خلال الخريف والشتاء، وما يمكن أن يترتب عليها من أمطار شديدة أو موجات حرارة أو اضطرابات في بعض المناطق.
وهنا يصبح الاستعداد أهم من التنبؤ الدقيق.
لأن الدولة لا تحتاج إلى انتظار وقوع فيضان حتى تبدأ في اختبار شبكات تصريف المياه.
ولا تحتاج إلى انتظار موجة حرارة شديدة حتى تفكر في حماية الفئات الأكثر تعرضاً.
ولا تحتاج إلى انتظار اضطراب عالمي في الغذاء حتى تبدأ في مراجعة مخزوناتها وسلاسل إمدادها.
وهذا هو الدرس السياسي الأهم من ظاهرة إل نينيو.
الأمن القومي لم يعد يعني فقط الدبابات والصواريخ والحدود.
الأمن القومي أصبح يعني أيضاً :
المياه.
الغذاء.
الطاقة.
الصحة.
البنية التحتية.
وسلاسل الإمداد.
لأن أزمة مناخية في دولة بعيدة يمكن أن تتحول في عالم مترابط إلى أزمة أسعار أو تجارة أو غذاء في دولة أخرى.
وقد يكون السودان مثالًا شديد الحساسية بالنسبة لمصر ، ليس لأن إل نينيو يعني تلقائياً وقوع كارثة هناك أو هنا ، وإنما لأن أي اضطراب مناخي شديد في منطقة ترتبط بمصر جغرافياً ومائياً وغذائيًا يمكن أن تكون له تداعيات تستحق المتابعة والاستعداد.
وهنا تظهر قيمة الإنذار المبكر.
فالسياسة الحديثة لا تنتظر وقوع الكارثة لكي تبدأ في التعامل معها، وإنما تحاول استثمار المعلومات المتاحة لتقليل الخسائر قبل وقوعها.
أما العالم نفسه ، فيواجه معادلة أكثر تعقيداً.
إل نينيو ظاهرة طبيعية ، نعم.
لكنها تحدث اليوم فوق كوكب يعاني أصلًا من ارتفاع درجات الحرارة بسبب تغير المناخ الناتج بدرجة كبيرة عن النشاط البشري.
وهذا يعني أن الظاهرة الطبيعية لا تبدأ من نقطة الصفر.
إنها تضيف ضغطاً جديداً إلى نظام مناخي أصبح أصلًا أكثر حرارة.
ولهذا حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن إل نينيو القوي يمكن أن يزيد مخاطر الحرارة الشديدة والفيضانات والجفاف وغيرها من الظواهر المتطرفة، بينما تستمر آثار تغير المناخ على المدى الطويل.
وهنا نفهم لماذا لم تعد قضية المناخ مجرد نقاش بين علماء البيئة.
إنها أصبحت قضية اقتصاد وسياسة وأمن غذائي وصحة عامة وتخطيط استراتيجي.
وقد تكون أخطر نقطة في القصة كلها أن آثار إل نينيو لا تنتهي بالضرورة مع انتهاء ذروة الظاهرة.
فالتوقعات الحالية تشير إلى استمرارها حتى مطلع 2027، بينما يمكن لبعض آثارها المناخية والاقتصادية والصحية أن تمتد بعد ذلك.
كما أن دراسة Climate Impact Lab تشير إلى أن تأثير الحرارة قد يستمر في الظهور بعد فترة التوقع الأساسية، إذا استمرت الظروف المناخية غير المعتادة.
ولهذا فإن الحديث عن عام 2027 باعتباره عاماً قد يشهد مستويات قياسية من الحرارة يجب التعامل معه باعتباره توقعاً علمياً وليس حقيقة محسومة.
لكن مجرد وجود هذا السيناريو يكفي ليضع الحكومات أمام سؤال واضح:
هل نستعد الآن ، أم ننتظر الأرقام الفعلية بعد فوات الأوان؟
وفي النهاية، ربما يكون أخطر ما في القصة أن الإنسان الذي استطاع أن يغير شكل الكوكب، ويضاعف استهلاك الطاقة، ويزيد الانبعاثات، ويضغط على الموارد الطبيعية، أصبح اليوم مضطراً إلى التعامل مع نتائج هذا التغيير.
ولذلك فإن قضية المناخ ليست فقط قضية «طبيعة غاضبة»، وإنما قضية مسؤولية بشرية وسياسات عامة واختيارات اقتصادية.
وربما تكون الرسالة الأهم هنا ليست أن الأرض «تنتقم» من الإنسان، وإنما أن الإنسان أصبح مطالباً بأن يدرك حدود قدرته على العبث بالنظام الطبيعي الذي يعيش داخله.
إل نينيو ليس نهاية العالم، وليس من الصحيح التعامل معه بمنطق الرعب أو الجزم بأن كل كارثة محتملة ستقع حتماً.
لكنه في الوقت نفسه إشارة إنذار علمية حقيقية تستحق أن تُقرأ سياسياً واقتصادياً، لا من خلال عناوين مثيرة فقط، وإنما من خلال الأرقام والنماذج والتوقعات والاستعداد المبكر.
ففي عالم تتشابك فيه السياسة مع الاقتصاد والمناخ والغذاء والمياه ، قد تبدأ الأزمة من المحيط الهادئ.
لكن تداعياتها قد تصل إلى أبعد بكثير من شواطئه.
ولهذا فإن متابعة إل نينيو ليست متابعة لظاهرة جوية فقط، وإنما متابعة لأحد الملفات التي يمكن أن تؤثر في شكل الاقتصاد والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي خلال الأشهر المقبلة.



