مقالات

البابا ليو الرابع عشر في قلب باريس بين رسائل الإيمان والسلام والسياسة

✍️ يوحنا عزمي

بدت فرنسا اليوم وكأنها تعيش مشهداً استثنائياً بكل المقاييس، بعدما تحولت شوارع باريس إلى مساحة واسعة للاحتفال الشعبي والروحي مع وصول البابا ليو الرابع عشر ، بابا الفاتيكان ، وسط حشود ضخمة من الفرنسيين الذين اصطفوا على جانبي الطرق لتحية موكبه، في مشهد عكس حجم الاهتمام الشعبي والإعلامي بهذه الزيارة.

ومنذ الساعات الأولى ، احتشدت أعداد كبيرة من الفرنسيين، وفي مقدمتهم العائلات والشباب ، لمتابعة مرور موكب البابا ، بينما انتشرت وسائل الإعلام الدولية والمصورون في مختلف النقاط التي مر بها الموكب، وحلقت المروحيات في سماء باريس ضمن الترتيبات الأمنية المكثفة التي رافقت الزيارة.

ولم تكن المشاهد التي شهدتها العاصمة الفرنسية مجرد احتفالية دينية، بل حملت في خلفيتها دلالات سياسية وإنسانية متعددة، خصوصاً أن الزيارة تأتي في توقيت دولي شديد الحساسية، تتداخل فيه أزمات الشرق الأوسط مع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراعات الدولية.

وفي هذا السياق ، اكتسب خطاب البابا أمام كبار المسؤولين والشخصيات الفرنسية أهمية خاصة، بعدما اختار أن يضع قضية الإنسان وحقه في الحياة والسلام في قلب رسالته.

فمن قصر الإليزيه، وفي حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته، وعدد من كبار الشخصيات السياسية والدينية والثقافية والإعلامية والدبلوماسية ، تحدث البابا عن مجموعة من القضايا التي تتجاوز الإطار الديني الضيق، مؤكداً أن الحق في الحياة يمثل أساساً جوهرياً لمنظومة حقوق الإنسان، وأن العلمانية لا تعني بالضرورة إقصاء الدين من المجال العام.

كما شدد في رسالته على ضرورة الابتعاد عن منطق الحرب، وعدم التعامل مع الصراعات المسلحة باعتبارها قدراً حتمياً لا يمكن تجنبه ، داعياً قادة العالم إلى وضع حماية الإنسان وكرامته في مقدمة أولوياتهم.

وتطرق البابا كذلك إلى التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والعلوم الحديثة والتعامل مع الخلايا والكائنات الحية ، مؤكداً أن التطور العلمي والتكنولوجي ينبغي أن يبقى في خدمة الإنسان، لا أن يتحول إلى وسيلة تهدد وجوده أو كرامته.

ولم يغفل البابا ما يحدث في الشرق الأوسط، حيث دعا إلى عدم تجاهل المعاناة الإنسانية ، مؤكداً أن حجم الألم الذي يعيشه المدنيون يجعل من الصعب على المجتمع الدولي أن يظل مكتوف الأيدي أمام معاناة تمس كرامة الإنسان.

وهنا تحديداً ظهرت الطبيعة المركبة للزيارة، فهي زيارة دينية في ظاهرها، لكنها تحمل في مضمونها رسائل إنسانية وسياسية تتعلق بالحرب والسلام، واللاجئين والمهاجرين ، والتعايش ، ومستقبل المجتمعات في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.

كما استند البابا في جانب من خطابه إلى أفكار فلسفية وروحية مرتبطة بالقديس أوغسطينوس، ولا سيما مفاهيم التعايش والوحدة والتكافل وخدمة الإنسان لأخيه الإنسان، في محاولة لإعادة طرح مفهوم التضامن الإنساني باعتباره ضرورة تتجاوز الحدود والاختلافات السياسية والدينية.

وكان لافتًا حجم الحضور الرسمي والشعبي المصاحب للزيارة، حيث شارك في استقبال البابا عدد من كبار المسؤولين والشخصيات الفرنسية، إلى جانب ممثلين عن الطوائف الدينية ورجال الكنيسة والإعلام والثقافة والفن والدبلوماسية.

كما شهدت العاصمة الفرنسية ترتيبات أمنية واسعة لتأمين تحركات البابا، في ظل الحشود الكبيرة المتوقع تجمعها في مختلف النقاط التي يمر بها موكبه.

وفي شوارع باريس ، تحولت الزيارة إلى مشهد جماهيري لافت. فعلى امتداد المسار الذي قطعه موكب البابا، اصطف عشرات الآلاف من المواطنين ، بينما رفع كثيرون أعلام الفاتيكان ورددوا عبارات الترحيب ، وحرص البابا على تحية الجماهير ومباركتهم من داخل سيارته.

وكان من أبرز المشاهد نفاد كميات كبيرة من أعلام الفاتيكان التي جرى توزيعها على المواطنين خلال ساعات قليلة، في مؤشر على حجم الإقبال الجماهيري على الفعاليات المصاحبة للزيارة.

ومن باريس إلى مقر منظمة اليونسكو، انتقلت الزيارة إلى مساحة أخرى من الحوار الدولي، حيث استقبل البابا المدير العام للمنظمة، المصري خالد العناني ، الذي رحب به ، ودار بينهما حديث حول قضايا التعليم والذكاء الاصطناعي ودور المؤسسات الدولية في التعامل مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.

واللافت هنا أن الحوار لم يتوقف عند حدود الإيمان والدين، وإنما امتد إلى واحدة من أكثر القضايا التي تشغل العالم حالياً : كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لخدمة الإنسان، مع الحفاظ على القيم الإنسانية والأخلاقية التي تحكم المجتمعات؟

بعد ذلك، واصل البابا برنامجه في باريس، متوجهًا إلى مناطق تضم أعداداً كبيرة من المهاجرين ، في رسالة تبدو واضحة بشأن أهمية الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع، وعدم حصر الخطاب الديني في النخب أو المناطق ذات الطابع التقليدي.

وتأتي قضية المهاجرين والاندماج الاجتماعي في قلب العديد من النقاشات الفرنسية والأوروبية ، ولذلك فإن وجود البابا في هذه المناطق يضيف بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا إلى زيارته، خصوصاً في ظل النقاشات المتواصلة حول الهوية والتعايش ومستقبل المجتمعات الأوروبية.

كما تتضمن الزيارة حضوراً دينياً بارزاً ، من خلال الصلوات والقداسات واللقاءات مع رجال الدين والشباب، في الوقت الذي تستعد فيه باريس لاستقبال أعداد كبيرة من المشاركين في القداس والفعاليات الجماهيرية.

ومن أبرز محطات الزيارة اللقاءات المخصصة للشباب، حيث من المنتظر أن يوجه البابا رسائل مباشرة إلى عشرات الآلاف من الشابات والشبان الذين تجمعوا للاستماع إليه، في محاولة لتقديم خطاب ديني وإنساني يتعامل مع الأسئلة التي تواجه الأجيال الجديدة.

ومن الملفات اللافتة كذلك خلال هذه الزيارة ملف المعمودية، في ظل الحديث عن أعداد كبيرة من الأشخاص الذين اعتنقوا المسيحية وتمت معموديتهم خلال الفترة الأخيرة.

وفي رسالته إلى هؤلاء، ركز البابا على أن المعمودية ليست مجرد طقس ديني، وإنما بداية لمسار روحي جديد ، ودعاهم إلى أن يكونوا شهوداً للسلام والخير وخدمة المجتمع.

وهكذا تبدو زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى فرنسا أكبر من مجرد زيارة بابوية تقليدية ، فهي تجمع بين البعد الروحي والإنساني والدبلوماسي، وتأتي في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتزايد فيها المخاوف من الحروب ، وتتسع فيها أزمات الشرق الأوسط، ويتصاعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان، بالتزامن مع أزمات الهجرة والهوية والتعايش داخل المجتمعات الأوروبية.

والرسالة الأبرز التي حملتها الزيارة حتى الآن تبدو واضحة: أن الإنسان يجب أن يظل في مركز السياسة والتكنولوجيا والعلاقات الدولية، وأن السلام ليس مجرد شعار ديني أو سياسي، وإنما قضية مرتبطة مباشرة بحماية الحياة والكرامة الإنسانية.

وفي بلد مثل فرنسا، حيث تتداخل تقاليد الجمهورية العلمانية مع تاريخ كنسي عميق، فإن الحضور الجماهيري الكبير للبابا يفتح مرة أخرى النقاش حول العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة، وحول قدرة الخطاب الديني على استعادة حضوره في قضايا تتجاوز حدود الكنيسة لتصل إلى الحرب والسلام، والهجرة، والتعليم، والتكنولوجيا، ومستقبل الإنسان.

وبينما تتواصل فعاليات الزيارة حتى 28 سبتمبر، تبدو باريس اليوم وكأنها تحولت إلى منصة عالمية لرسائل البابا، فيما تتابع عواصم العالم ما يصدر عنها من مواقف تتعلق بالحرب والسلام، والإنسان والكرامة، والتكنولوجيا ومستقبل البشرية.

إنها، في النهاية، زيارة دينية في شكلها، لكنها تحمل في مضمونها أسئلة سياسية وإنسانية كبرى ، في وقت يبحث فيه العالم عن مساحات جديدة للحوار ، وسط مشهد دولي تتزايد فيه الأزمات والصراعات ، وتصبح فيه كلمة السلام أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى