الأمم المتحدة .. حين يتحول منبر العالم إلى ساحة للخصومات السياسية

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
أحياناً وأنت تتابع ما يحدث داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة ، تشعر أن المشهد لم يعد اجتماعاً لقادة العالم بقدر ما أصبح مسرحاً سياسياً مفتوحاً،
كل رئيس يصعد إلى المنصة محمّلًا بملفات بلاده وحساباتها وصراعاتها، فيوجه الرسائل والاتهامات والتهديدات ، ثم يبدأ الوفد المستهدف في جمع أوراقه ومغادرة القاعة احتجاجاً على ما قيل.
المشكلة هنا ليست في أن تختلف الدول، فالاختلاف هو أصل العمل الدبلوماسي، وليست المشكلة كذلك في أن ترد دولة على أخرى أو أن يدافع كل طرف عن روايته. المشكلة الأعمق أن المؤسسة التي يفترض أن تكون إحدى أهم ساحات الحوار الدولي أصبحت في كثير من الأحيان عاجزة عن تحويل هذا الحوار إلى نتائج ملموسة ، بينما الحروب مستمرة ، والأزمات الإنسانية تتفاقم ، والقانون الدولي نفسه أصبح موضع صراع على تفسيره وتطبيقه.
وهنا تأتي مشاهد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 لتكشف حجم الأزمة.
في 22 سبتمبر، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصة الجمعية العامة، وفي خطاب شديد اللهجة دافع عن سياسات بلاده في مواجهة إيران ، وهاجم النظام الكوبي، ووصف كوبا بأنها دولة فاشلة، وقال إن نظامها السياسي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة وإنه يتجه إلى السقوط. وبعد تصريحاته بشأن كوبا ، غادر الوفد الكوبي قاعة الجمعية العامة احتجاجاً.
ثم انتقل ترامب إلى الملف الإيراني، ولم يكتفِ بالدفاع عن الحرب والسياسة الأمريكية تجاه طهران ، بل وجه تحذيراً بالغ الحدة ، قائلًا إن أمامه خياراً بين التوصل إلى اتفاق وبين “إبادة” الجمهورية الإسلامية إذا لم يتم التوصل إلى تسوية. وبعد دقائق من بدء الخطاب، غادر معظم أعضاء الوفد الإيراني القاعة، بينما بقي ممثل إيراني واحد لمتابعة بقية الكلمة.
ثم جاء الدور على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي جعل قطاعاً كبيراً من خطابه مخصصًا للحرب في غزة ، وانتقد بشدة أداء الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، معتبراً أن النظام الدولي الحالي لم يعد قادراً على التعامل مع الأزمات الكبرى ، ودعا إلى إصلاح بنية مجلس الأمن ، كما هاجم ما وصفه بالسياسات الإسرائيلية في غزة ، واستخدم تعبيرات شديدة القسوة في وصف الوضع الإنساني هناك.
وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى : فالمكان الذي يفترض أن يجتمع فيه العالم للبحث عن حلول للحروب أصبح في كثير من الأحيان مجرد مساحة لعرض المواقف المتناقضة ، ثم الانسحاب احتجاجاً عليها.
لكن القضية لا تتوقف عند مشهد الانسحابات.
هناك سؤال أكبر بكثير يتعلق أصلاً بمن يستطيع الوصول إلى هذا المنبر ومن يُمنع من الوصول إليه.
الولايات المتحدة منعت الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحصول على تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للعام الثاني على التوالي ، فيما سمحت للرئيس الفلسطيني بأن يخاطب الجمعية عبر رسالة مصورة بعد تحرك داخل الأمم المتحدة لتوفير هذا البديل.
وفي الوقت نفسه ، يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للسفر إلى نيويورك وإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات النظام الدولي إثارة للجدل : نتنياهو يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة ، وهي قضية تختلف تمامًا عن محكمة العدل الدولية التي تنظر في قضايا بين الدول ، وليس مذكرات توقيف للأفراد. ومع ذلك ، فإن وجود مذكرة التوقيف لم يمنع ترتيبات حضوره إلى الأمم المتحدة.
وبالتوازي مع ذلك، ظهرت أزمة أخرى مرتبطة بالسودان ، إذ أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة حجبت تأشيرة قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ، وسط خلاف حول مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً ، وهو ما أثار اعتراضاً سودانياً وتحركاً لدى الأمم المتحدة.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً ..
إذا كانت الأمم المتحدة هي المكان الذي يفترض أن تتساوى فيه الدول في التعبير عن مواقفها ، فكيف يمكن أن تكون قدرة بعض القادة على الوصول إلى هذا المنبر مرتبطة بقرارات دولة المقر؟
صحيح أن الولايات المتحدة هي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة ، ولديها قوانينها وإجراءاتها الخاصة بالتأشيرات، لكن وجود المنظمة الدولية نفسها خلق تاريخياً ترتيبات خاصة تضمن وصول الوفود الرسمية إلى مقرها. ولذلك فإن كل أزمة تأشيرات من هذا النوع تتحول تلقائياً إلى سؤال سياسي وقانوني حول حدود سلطة الدولة المضيفة والتزاماتها تجاه المنظمة الدولية.
والمفارقة الأكبر أن الجميع تقريباً ، داخل القاعة ، يتحدث عن الشيء نفسه: ضرورة احترام القانون الدولي ، حماية المدنيين، وقف الحروب، الحفاظ على السلام ، ومنع انهيار النظام الدولي.
لكن خارج القاعة، تستمر الصواريخ، وتستمر العقوبات، وتستمر الضغوط، وتستمر الحسابات الجيوسياسية.
وهنا تحديداً تكمن أزمة الأمم المتحدة الحقيقية.
الأمم المتحدة ليست مجرد مبنى في نيويورك، وليست مجرد منصة يصعد إليها الرؤساء لإلقاء خطابات سنوية. الجمعية العامة نفسها تضم 193 دولة، ولكل دولة صوت ، وهي تمثل أحد أهم المنابر الدولية للتداول وصناعة المواقف والقرارات.
لكن المشكلة أن الجمعية العامة، رغم أهميتها السياسية والرمزية، لا تملك وحدها القوة التنفيذية التي تجعل كل ما يصدر عنها يتحول تلقائياً إلى واقع.
والأهم من ذلك هو مجلس الأمن، حيث تمتلك خمس دول دائمة العضوية حق النقض، وهو ما يجعل التوافق الدولي في القضايا الكبرى شديد الصعوبة عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى.
وهنا نفهم لماذا يمكن أن يجتمع العالم كله في قاعة واحدة، ويتفق معظم الحاضرين على أن هناك أزمة أو حرباً أو كارثة إنسانية، ثم ينتهي الاجتماع من دون أن يتغير الواقع بالقدر الذي يتوقعه الناس.
إنها ليست أزمة خطابات فقط.
إنها أزمة في بنية النظام الدولي نفسه.
العالم تغير بصورة أسرع بكثير من المؤسسات التي أنشئت لإدارته. القوى الكبرى أصبحت أكثر تنافساً، التحالفات أصبحت أكثر سيولة، الحروب لم تعد دائماً حروب جيوش تقليدية ، والصراعات الاقتصادية والتكنولوجية والسيبرانية أصبحت جزءًا أساسياً من الصراع الدولي.
وفي المقابل، ما زالت المؤسسة الدولية تعمل إلى حد كبير بقواعد وضعت في عالم مختلف تماماً ، بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت خريطة القوة الدولية مختلفة ، وعدد الدول أقل ، وطبيعة الصراعات أكثر وضوحاً.
ولهذا فإن ما يحدث في الجمعية العامة ليس مجرد “خناقة بين وفود”.
إنه انعكاس لصراع أعمق على تعريف القوة نفسها: من يملك حق فرض رؤيته؟ من يحدد معنى القانون الدولي؟ من يستطيع استخدام القوة ثم يطلب من الآخرين الالتزام بالقانون؟ ومن يملك القدرة على تحويل القرار الدولي من ورقة إلى فعل؟
والمشهد الإيراني ـ الأمريكي في الجمعية العامة يلخص هذه المعضلة بصورة واضحة جداً.
ترامب صعد إلى المنصة ليعرض رواية واشنطن للحرب ويهدد طهران، ثم صعد مسعود بزشكيان في اليوم التالي ليقدم الرواية الإيرانية المضادة ، ويتهم الولايات المتحدة بالعدوان والإرهاب، ويرفض لغة التهديد ، وفي الوقت نفسه أبقى باب الدبلوماسية مفتوحاً. وأثناء خطابه ، غادر الممثل الأمريكي القاعة.
وهكذا يصبح المشهد أشبه بمباراة خطابية:
طرف يتحدث ، والطرف الآخر يغادر.
ثم يأتي الطرف الآخر في اليوم التالي ، يتحدث ، فيغادر ممثل الطرف الأول.
والنتيجة؟
كل طرف خرج من القاعة وهو أكثر اقتناعاً بروايته ، بينما بقيت الأزمة الحقيقية خارج المبنى.
وهنا أعتقد أن أخطر ما يحدث ليس أن السياسيين يختلفون، وإنما أن العالم بدأ يتعامل مع الأمم المتحدة باعتبارها ساحة لإدارة الخلافات إعلامياً ، بدلًا من أن تكون أداة حقيقية لحلها سياسياً.
الرؤساء يتحدثون عن السلام، لكن السلام يحتاج إلى تفاوض.
يتحدثون عن القانون الدولي، لكن القانون يحتاج إلى آليات تنفيذ.
يتحدثون عن حماية المدنيين ، لكن حماية المدنيين تحتاج إلى قرارات قابلة للتطبيق.
ويتحدثون عن النظام الدولي، بينما النظام نفسه يعاني من أزمة ثقة عميقة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا ينسحب هذا الوفد أو ذاك؟
السؤال الأهم هو: لماذا أصبح الانسحاب من القاعة أسهل من الوصول إلى اتفاق خارجها؟
ولماذا أصبح الخطاب السياسي أكثر قدرة على صناعة العناوين من صناعة الحلول؟
ولماذا يستطيع العالم أن يجتمع كل عام، ويتحدث لساعات طويلة عن الحروب والأزمات ، ثم يعود إلى بلاده لتستمر الأزمات نفسها وكأن شيئًا لم يحدث؟
الأمم المتحدة ليست عديمة الجدوى، كما قد يوحي الانفعال الأول بالمشهد. هي ما زالت مساحة نادرة تلتقي فيها تقريباً كل دول العالم تحت سقف واحد، وما زالت قادرة على إنتاج قرارات وآليات إنسانية وقانونية وسياسية مهمة. لكن الفجوة بين ما تقوله الدول داخل القاعة وما تستطيع المؤسسات الدولية فعله على الأرض أصبحت واحدة من أخطر مشكلات النظام العالمي.
ولهذا فإن إصلاح الأمم المتحدة لم يعد مجرد شعار دبلوماسي.
إنه سؤال يتعلق بمستقبل النظام الدولي كله.
لأن العالم لا يحتاج إلى قاعة أكبر للخطابات.
العالم يحتاج إلى مؤسسة أكثر قدرة على تحويل الكلام إلى إجراءات، والقرارات إلى واقع، والقانون إلى معيار يطبق على الجميع دون ازدواجية.
وفي النهاية، يمكن أن يختلف العالم كله داخل القاعة ، وهذا طبيعي.
لكن عندما ينتهي الاجتماع ويخرج الجميع، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً :
ماذا تغير في حياة الإنسان الذي يعيش تحت القصف؟
ماذا تغير بالنسبة للمدني الذي يبحث عن طعام أو دواء؟
ماذا تغير بالنسبة للطفل الذي لا يعرف لماذا بدأت الحرب أصلاً؟
وماذا تغير بالنسبة للعالم الذي أصبح كل يوم يستيقظ على أزمة جديدة؟
لأن الإنسان لا يستطيع أن يأكل بياناً دبلوماسياً ، ولا يستطيع أن يختبئ خلف قرار لم يُنفذ ، ولا يستطيع أن يعيش على الوعود.
في النهاية ، الكلام مهم.
لكن عندما يطول الكلام أكثر مما يحتمل الواقع، يصبح المطلوب ليس خطاباً جديداً ، وإنما فعلًا حقيقياً.
- فالعالم لم يعد يحتاج إلى مزيد من الميكروفونات.
العالم يحتاج إلى نتائج.



