السيطرة على أهم الممرات الاستراتيجية .. هل بدأت الحرب في السودان تدخل مرحلة الحسم؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
من يتابع تطورات الحرب في السودان خلال الأيام الماضية، سيدرك أن المشهد العسكري بدأ يشهد تحولات لافتة قد تكون من بين أهم ما حدث منذ اندلاع الصراع. فالجيش السوداني لا يحقق مجرد تقدم ميداني عابر، وإنما يبدو أنه ينفذ عمليات مدروسة تستهدف إعادة رسم خريطة السيطرة على الأرض، وحرمان قوات الدعم السريع من أهم الممرات التي اعتمدت عليها طوال الفترة الماضية في الحركة والإمداد والمناورة.
ووفقاً لما أعلنته القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، فقد تمكن الجيش من استعادة السيطرة على مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة بولاية شمال كردفان، بعد معارك عنيفة أسفرت – بحسب البيان – عن خسائر كبيرة في صفوف قوات الدعم السريع، سواء على مستوى الأفراد أو المعدات، مع انسحاب عناصرها من عدة مواقع وترك كميات من الأسلحة والآليات العسكرية خلفها. كما أعلن الجيش تحرير منطقتي أم قرفة وجريجخ في محيط مدينة بارا، في خطوة تعكس استمرار التقدم نحو استعادة السيطرة الكاملة على واحدة من أكثر المناطق أهمية في وسط السودان.
ورغم أن استعادة أي مدينة أو منطقة تمثل في حد ذاتها إنجازاً عسكرياً ، فإن القيمة الحقيقية لهذه التطورات لا تكمن في عدد المناطق التي انتقلت من يد إلى أخرى، وإنما في موقعها الجغرافي وتأثيرها المباشر على ميزان العمليات. فمدينة بارا تعد ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، وتقع على الطريق الحيوي الذي يربط مدينة الأبيض، عاصمة الولاية، بإقليم دارفور، بينما تمثل جبرة الشيخ وأم سيالة عقدتين رئيسيتين على خطوط الحركة بين شمال كردفان والعاصمة الخرطوم. ومن يسيطر على هذه النقاط، يمتلك قدرة أكبر على التحكم في مسارات الإمداد والانتقال، وهو ما يمنح الجيش أفضلية تكتيكية واضحة في أي عمليات عسكرية مقبلة.
الأهمية الأكبر ربما تتمثل في إعلان الجيش إحكام سيطرته الكاملة على طريق الصادرات الاستراتيجي الممتد من أم درمان إلى مدينة الأبيض، وهو طريق لا يمثل مجرد شريان للنقل التجاري، بل يعد أحد أهم المحاور البرية التي تربط وسط السودان بغربه، وتستخدم لنقل الإمدادات العسكرية واللوجستية. ولذلك فإن استعادته تعني تضييق الخناق على تحركات قوات الدعم السريع، وتقليص قدرتها على المناورة وإعادة التموضع، مع تسهيل وصول التعزيزات والإمدادات إلى القوات الحكومية في مختلف الجبهات.
وفي تطور آخر لافت، تداولت مصادر عسكرية وإعلامية معلومات عن مقتل أحد أبرز القادة الميدانيين في قوات الدعم السريع، وهو الحاج حسين، المعروف بلقب “البوص”، والذي كان يتولى قيادة المجموعة 142 بمحور رهيد النوبة، ويعد من الشخصيات صاحبة النفوذ داخل الميليشيا. وإذا تأكدت هذه المعلومات بصورة نهائية، فإن خسارة قائد بهذا الحجم لا تمثل فقط ضربة معنوية، وإنما قد تنعكس أيضاً على تماسك القيادة الميدانية في بعض المحاور، خاصة إذا تزامنت مع خسائر متتالية في الأرض وخطوط الإمداد.
لكن، ورغم هذه المؤشرات الإيجابية بالنسبة للجيش السوداني، فإن الحديث عن حسم الحرب لا يزال سابقاً لأوانه. فالصراعات الداخلية في السودان أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها شديدة التعقيد، وتتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات القبلية والسياسية والإقليمية، كما أن أي طرف يتعرض لخسائر كبيرة قد يلجأ إلى تغيير تكتيكاته بدلًا من المواجهة المباشرة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التحولات.
ومع ذلك، فإن ما يحدث اليوم في شمال كردفان يحمل دلالات لا يمكن تجاهلها. فالجيش السوداني يسعى بوضوح إلى استعادة زمام المبادرة، وتأمين الممرات الاستراتيجية، وفرض واقع ميداني جديد قد يؤثر على مجريات الحرب بأكملها إذا استمر بنفس الوتيرة. وفي المقابل، تواجه قوات الدعم السريع تحدياً متزايداً للحفاظ على مناطق نفوذها وخطوط اتصالها، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الصراع.
ويبقى الأمل الأكبر أن تنتهي هذه الحرب التي دفعت أثمانها الباهظة الدولة السودانية وشعبها، وأن تستعيد السودان أمنها واستقرارها ووحدة مؤسساتها، بعيداً عن دوامة الاقتتال التي أنهكت البلاد وأرهقت ملايين المدنيين، لأن المنتصر الحقيقي في نهاية المطاف يجب أن يكون السودان نفسه، لا أي طرف في ساحة المعركة.



