“تماثيلٌ ذات مظهر”

المهند إسلام
إن سألتني عن مهربي،
لأجبتكَ أنها غرفتي.
وإن سألتني بعمقٍ أكثر..
لأجبتُكَ بأنها غرفةٌ اخترعتها داخل عقلي.
تمتلئُ بتماثيلٍ من الشموع،
لأشخاصٍ كانوا يومًا على قيد الحياة،
في حياتي،
خارجَ عقلي،
وخارج الغرفة.
حتى لم يعودوا موجودين،
لأسباب تختلف،
وربما كانت أسبابهم تتحد.
واليومَ،
الليلة،
اتخذتُ قرارًا بتأملِ تلكَ التماثيل،
في غرفةِ عقلي.
ومقارنتهم مع أناسٍ ما زالت الروحُ تنبضُ فيهم،
وما زالوا إحدى نبضات حياتي الحالية.
صوتُ خطى قدماي داخل الغرفة بدأ ينبضُ في رأسي ببطءٍ،
وحيث نتجول داخل الغرفة،
ذات الإضاءة الصفراء،
الهادئة.
رائحة القهوة،
وبخورٍ هادئة تنتشرُ في الغرفة.
نلحظُ تمثالًا وراء الآخر،
تماثيلُ بيضاء،
وربما كانت بنية،
فقط لحبي لذاك اللون؛
فالهيئةُ بالنسبة إليّ أهمّ من القصة.
وربما كانت تلكَ مشكلتي،
الهيئة.
كانت هيئةُ التماثيل تتشابه،
الفتياتِ هناكَ ذوات حجاب،
ذوات رقبةٍ مكشوفة.
بعضهن بنظاراتٍ طبية،
بنية اللون،
وبعضهن بدون.
وجوهٍ رفيعة،
بشرة بيضاء،
ذاتَ حمرةٍ خفيفة.
شفاةٌ كالورود.
وأعينٌ كالغزال.
واسعة، وتنحني بضيقٍ عند النهاية.
أمّا عن ألوانِ ملابسهم؟
أرزقٌ قاتم.
بنيٌ ساطع.
أحمرٌ داكن.
وبعض الأحيانِ وردي فاتح.
تجتمعُ صفاتهم،
بينَ القراءةٍ والقهوة يشتركون.
بينَ مساحيق التجميلِ يتسوقون.
بينَ التصويرِ والنزهاتِ يستمتعون.
بينَ الثعابينِ والأصدقاء يتعايشون.
لا هم ذوق معظم الرجال،
ولا هم محبوبونَ من النساء.
لكن كانوا من كنتُ دائمًا أسقطُ في شباكهم،
والسبب في إختفائهم؟ وتحولهم لتماثيلَ تذكرني بالماضي؟
هو سببٌ مجهول.
وإجابتهِ عندهم.
ورغمَ أن الغرفة ممتلئةٌ بتماثيلٍ من ذاك النوع،
فذهبتُ لأسقطَ في شباكِ أخرى،
من نفس النمط،
الملابس،
الشفاة،
والألوان.
ربما هي أكثرُ منهم جمالًا،
وأتوقُ أن تكونَ أقلّ منهم خبثًا.
أراكَ بدأتَ تلحظُ ما تبقى من التماثيل،
هؤلاءِ كانوا يومًا إحدى اصدقائي.
كنتُ كمصّاص دماءٍ معهم،
لكن بدلًا من استنزافِ دماءِ داكنةٍ من أعناقهم،
كنتُ أستنزفُ طاقتهم،
محبتهم،
جهودهم ليكونوا بصحبتي.
ثم أتركهم يسقطون أرضًا.
وأعودُ بعد حينٍ معتذرًا،
لأعاود تكرار الأمر،
مرة،
أخرى،
حتى يموتَ الشخص من قلة الدماء.
لكن على الأقلِ كانوا مقبولي المظهر،
بعضهم يشبهني،
عينانِ بنيتان،
جسدٌ رياضي،
ملامحٌ بريئة،
تحملُ في طيّاتها بطش المراهقة.
وبعضهم الآخر أحدّ ملامحًا،
وأكثرَ جرأة،
أكثر تسيبًا.
رائحةُ سجائر ملبورو دائمًا في أنفاسهم،
ورائحةُ عطورٍ راقية في ملابسهم.
أعتقدُ أن سبب موتهم وجعلهم تماثيلًا بات واضحا الآن.
ومع ذلك،
ما زلتُ أنجذبُ لأشخاص مثلهم.
المشكلة الكبرى هي أنني لا أنجذبُ لأمثالهم من الشخصيات.
بل لأشباههم الشكلية.
ربما لم يكن هذا ما تربيتُ عليه،
لكن هذا ما أنا عليه،
إن كانَ مظهركَ يعطي لي مظهرًا جيدًا،
إن كنتَ تعطيني ما أريده من حبٍّ،
فأنت مرحبٌ بك،
وإن كنتُ لن أفعلَ المثل،
لكنني سأعودُ دومًا للاعتذار،
عند الحاجة.
وفي نهاية الجولة،
وبعد الخروجِ من عقلي،
أريد أن أخبركم والتماثيل،
أنني أريدُ التغيير،
إن لم يفسد هذا التغييرَ مظهري.



