ابداعات

لو كان للمدن ذاكرة… ماذا ستكون؟

بقلم – جلال الدين محمد

 

ساعتان ونصف قضيتها محشورًا في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة التي تُسافر عبر المحافظات. كنت أحاول منح قدمي مساحة للتنفس بين الحقائب المكدسة في الممر الضيق للسيارة، وحاولت كل ربع ساعة تعديل وضع جسدي لأمنح ظهري وكتفي شيئًا من الراحة، لا أعلم بصراحة ذلك الشخص الذي صمم تلك السيارات لماذا لم يجعل المقعد الخلفي يتسع لثلاثة ركاب فقط ككل صفوف المقاعد الأمامية بدلًا من أربعة؟ لكني قررت في النهاية تصنيفه كسادي لما أتعرض له كل مرة في هذا المقعد الذي لسبب ما يكون من نصيبي، أو رأسمالي يبحث عن ربح إضافي.

 

أخيرًا قال السائق: هل ينزل أحدكم حي العامرية؟ ليكن سؤاله إشارة تحرري من مقعدي الخلفي القبيح.

 

العامرية، حي في ضواحي محافظة الإسكندرية وهناك أسكن. بمجرد نزولي من السيارة العائدة من القاهرة، أشعر وكأن الهواء الذي أتنفسه له شعور مختلف. كنت أنكر فيما مضى العبارة التي تقول “نشعر بقيمة الأشياء حين نفارقها” لكني لم أدرك كم أحب الإسكندرية إلا حين أصبحت أسافر للقاهرة وأبقى فيها شهورًا في عملي.

 

تبدأ عيناي في التنقل بين كل شيء، سائقي التكاتك الذين أكره مهنتهم، كوبري المشاه المعدني، وموقف السيارات الذي ينقلني إلى أمام منزل عائلتي، وكأني أحاول تذكر الشوارع التي اعتادتها عيني فيما مضى، وكانت لا تلاحظها حتى. وبينما أحمل حقيبتي عائدًا إلى منزلي، حاملًا الحلوى لوالدتي التي لم أراها منذ شهرين، باغتتني الفكرة، هل لتلك الشوارع ذاكرة مثلنا؟ وإن كان لها فيما تفكر حين ترى أهلها؟

 

لو نطق شارع البنك مثلًا موقع نزولي من سيارة الأجرة، ماذا سيقول؟

 

“مرحبًا يا قوم، أنا شارع البنك في بداية افتتاحي كان عملاء بنك مصر يأتون إلي؛ من أجل إنهاء مختلف مصالحهم. وقتها كانوا من المحاسبين والتجار الذين يسكنون الضاحية، وبعض الأشخاص الذين يودعون مدخراتهم في حسابات توفير. أما الآن فقد تغير الوضع تمامًا، فبعد أن طبقوا الشمول المالي وصارت الرواتب تُصرف عبر التحويلات البنكية، أصبحت مُكتظًا مع بداية كل شهر بمئات البشر الذين يُحاصرون مكانيات الصراف الآلي الستة التي تم افتتاحها أمام مقري. هؤلاء البشر لا يعرفون شيئًا يُسمى دوري، وقليلًا ما يحترمون الطوابير، لكني ألتمس لهم العذر علي أي حال، فلم يُعلمهم أحد هذه المبادئ البسيطة.

 

صاحبكم الذي يكتب هذه السطور عاش ذات مرة مأساة أمام إحدى ماكيناتي، فقبل عطلة عيد الأضحى بيوم واحد، أتى لسحب راتبه، وتم إرسال رسالة له على الهاتف أن الراتب سُحب، ولكن في الحقيقة أنه لم يتمكن من استخراج قرش واحد. اتصل بالبنك للشكوى وأخبروه أن الحل سيكون خلال خمسة أيام عمل، وهذا كان يعني أن عليه انتظار انتهاء إجازة العيد بالكامل، ثم أربعة أيام من الأسبوع التالي لها حتى يسترد أمواله. حمد لله أنه كان يقيم في منزل والده وقتها، فأكل وشرب من المنزل ولم يذهب لأي مكان”.

 

أما شارع المدرسة فقد يقول: “لماذا تجعلوني أستيقظ من نومي الآن… حسنًا سأخبركم، أنا أتوسط المدرسة الابتدائية “يوسف إدريس”، والإعدادية “نور العلم”. هاتان المدرستان تم افتتاحهما مع بداية إنشاء الحي، وكل السكان المحليين هنا درسوا هم وأولادهم في هذه المدارس، ومع الوقت بدأ الأولاد من القرى التي تحيط بالحي في ارتياد هذه المدارس الحكومية، والدراسة فيها.

 

“يوسف إدريس” الابتدائية تذكر لصاحبكم أنه شارك مع تلاميذ فصله في زراعة الحديقة الصغيرة التي تجدها على يمين باب المدرسة، كان يحب هذه الحديقة كثيرًا. أما الملعب المصنوع من البلاط فيشهد له أنه كان مُدافعًا صلبًا يلعب كرة القدم مع رفاقه بقلبه، إلا أنه تعرض للظلم ذات مرة حين استبعده مُدرس الألعاب من مباراة دوري المدرسة بسبب وشاية أحد الأطفال المشاغبين، ونتيجة لذلك خسر فريقه المباراة.

 

كانت والدته تخدعه بقولها أنها تراه من نافذة منزلهم القديم حين يمر بشارع المدرسة؛ لكي لا يذهب مع أصدقاء السوء للعب ألعاب الفيديو بدلًا من العودة ومذاكرة دروسه. أما مدرسته الإعدادية فتذكر حين كان مديرها يُحضر الشرطة كل عام لطلاب الصف الثالث الإعدادي. لم يكونوا طلابًا بل أشبه بأعضاء تشكيل عصابي، يرتدون ملابس تجعلهم مخيفون بحق، ويحملون السلاح الأبيض والسجائر في جيوبهم، ويعتدون على المدرسين الذين يمنعون الغش. هذا يبدو عاديًا نوعًا ما لمدرسة حكومية في منطقة شعبية.

 

المدرسون في “نور العلم” تآمروا ذات مرة ضد المديرة الشريفة التي حاولت منع الدروس الخصوصية، وإجبارهم على الشرح في الحصص خلال اليوم الدراسي. ونجحوا في عزلها وتنصيب صاحبهم الذي لا يفقه أي شيء سوى “المعسل” حين يضعه في الأرجيلة ويسحب الدخان إلى صدره مستمتعًا. كان كاتب هذه السطور يخاف كثيرًا خلال سنوات دراسته في تلك المدرسة، فقد كان صغير الحجم بشخصية مهزوزة للغاية؛ لذلك تنفس الصعداء حين غادرها.

 

ربما تكون ذاكرة مكتب البريد حين تتجمع أمامه النسوة في بداية كل شهر لقبض معاشات أزواجهن الراحلين. ومع كاتبكم حين كانت خالته ترسل لوالدته نصيبها من ربح الأرض الزراعية في حوالة على مكتب البريد فيجد الفتى نفسه محشورًا بين هؤلاء النسوة.

 

ها قد وصل صاحبكم إلى محل سكنه، لندعه الآن ليقدم الحلوى إلى أمه ويحصل على الشاي اللذيذ وحمام ساخن يُشعره بالراحة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى