زلزال إندونيسيا 7.7.. هل دخلت الأرض مرحلة جديدة من الزلازل المتلاحقة؟

✍️ يوحنا عزمي
في الساعات الأولى من صباح السبت 15 أغسطس 2026، ضرب زلزال قوي منطقة فلوريس في شرق إندونيسيا، وبلغت قوته 7.7 درجة ، وفق أحدث التقديرات المتداولة. وقع الزلزال على عمق ضحل نسبياً ، وهو عامل بالغ الأهمية في تفسير حجم التأثير على المناطق القريبة من مركزه. وتشير التقارير الأولية إلى سقوط ضحايا وانهيار مبانٍ ، فضلًا عن انقطاع الكهرباء والاتصالات في بعض المناطق، بينما لا تزال فرق الإنقاذ تعمل على الوصول إلى المناطق المتضررة.
وهنا تحديداً يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة جدًا: قوة 7.7 ليست مجرد رقم كبير على مقياس ريختر أو مقياس العزم الزلزالي، نحن نتحدث عن زلزال قادر على إحداث أضرار واسعة، خصوصاً عندما يكون مركزه قريباً من سطح الأرض ومن مناطق مأهولة. ولذلك فإن الساعات الأولى بعد أي زلزال بهذا الحجم تكون غالباً الأصعب على مستوى المعلومات ؛ لأن فرق الإنقاذ نفسها تكون في حالة بحث، والاتصالات قد تتعطل، والطرق قد تُغلق بسبب الانهيارات الأرضية، وبالتالي فإن أعداد الضحايا وحجم الخسائر لا يمكن التعامل معها باعتبارها أرقاماً نهائية في الدقائق الأولى.
وهذا ما حدث بالفعل في إندونيسيا. فقد صدرت تقديرات أولية متباينة للضحايا والأضرار، ثم بدأت الأرقام في الارتفاع مع وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المتضررة. وتشير أحدث التقارير إلى سقوط عشرات القتلى، مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ، وهو ما يعني أن الصورة النهائية للكارثة لم تتشكل بعد.
لكن الجزء الأكثر إثارة للقلق في المشهد لم يكن قوة الزلزال وحدها، وإنما وقوعه في منطقة بحرية نشطة زلزالياً، وهو ما دفع السلطات الإندونيسية إلى إصدار تحذير من احتمال حدوث موجات تسونامي. والتحذير هنا لا يعني أن تسونامي كارثياً أصبح حتمياً، وإنما يعني أن طبيعة الزلزال وموقعه استدعت اتخاذ إجراء احترازي سريع لحماية السكان في المناطق الساحلية.
وبالفعل، تم لاحقاً رفع تحذير التسونامي بعدما أظهرت عمليات الرصد أن موجات البحر التي سجلت كانت محدودة، وأقل من متر في بعض المناطق. وهذا التفصيل مهم للغاية لأنه يوضح الفرق بين “التحذير من احتمال الخطر” وبين “وقوع الكارثة بالفعل”.
أما الحديث عن وصول تسونامي إلى البحر الأحمر، فيحتاج إلى قدر أكبر من الدقة العلمية قبل تحويله إلى سيناريو مرعب للجمهور. فليس كل زلزال بحري بقوة 7 أو 8 درجات يؤدي تلقائياً إلى موجات تسونامي تعبر آلاف الكيلومترات وتصل إلى مناطق بعيدة. الأمر يعتمد على موقع الزلزال، واتجاه حركة الصدع، وكمية الإزاحة الرأسية لقاع البحر ، وشكل الأحواض البحرية ، وطبيعة السواحل التي تمر بها الموجة.
وهنا تكمن المشكلة في تداول الأخبار الزلزالية على وسائل التواصل الاجتماعي: أحياناً يتم أخذ “تحذير احترازي” وتحويله إلى “كارثة مؤكدة”، ثم يتم الانتقال من احتمال إلى احتمال آخر حتى يبدو الأمر وكأن الكوكب كله أصبح على وشك الدخول في موجة زلازل عالمية.
وهذا استنتاج لا تدعمه العلوم الزلزالية بهذه الصورة.
الزلزال نفسه حقيقي وخطير، والهزات الارتدادية حقيقية، والأضرار والضحايا حقيقيون ، لكن لا يوجد أساس علمي كافٍ للقول إن وقوع عدة زلازل في مناطق مختلفة خلال فترة زمنية قصيرة يعني بالضرورة أن الأرض دخلت مرحلة جديدة من “حزام زلزالي يلتف حول الكوكب”.
نعم، ما يلفت الانتباه هو أننا نرى أخباراً متتالية عن هزات أرضية قوية في مناطق مختلفة، وهذا طبيعي أن يثير القلق لدى الناس، خصوصًا عندما تأتي الأخبار تباعاً من دول بعيدة عن بعضها جغرافياً. لكن علم الزلازل يميز بشكل واضح بين تزامن الأحداث وبين وجود علاقة سببية بينها.
الأرض ليست ساكنة أصلًا. الصفائح التكتونية تتحرك باستمرار، ومناطق مثل إندونيسيا واليابان وتركيا وأجزاء من حوض المتوسط وأمريكا الجنوبية تقع فوق أو بالقرب من حدود صفائح نشطة. لذلك فإن حدوث الزلازل في هذه المناطق ليس ظاهرة جديدة، وإنما الجديد بالنسبة لنا هو سرعة وصول المعلومات إلينا، وقدرتنا على متابعة الأحداث لحظة بلحظة من جميع أنحاء العالم.
وهنا ربما يكون أحد أكبر التحولات التي حدثت بالفعل ليس في باطن الأرض، وإنما في طريقة إدراك الإنسان لما يحدث فيها.
قبل عقود، كان الزلزال الذي يقع في إندونيسيا قد يمر على المواطن المصري أو الأوروبي دون أن يعرف عنه شيئاً إلا بعد ساعات أو أيام. اليوم، الهاتف المحمول يمكن أن يخبرك خلال دقائق أن الأرض اهتزت على بعد آلاف الكيلومترات، ثم تنتقل مباشرة إلى صور الانهيارات ، ثم إلى مقاطع السكان ، ثم إلى تحذيرات التسونامي ، ثم إلى خرائط النشاط الزلزالي، ثم إلى توقعات غير علمية تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
بمعنى آخر، نحن لا نعيش بالضرورة في عالم أكثر زلازل؛ نحن نعيش في عالم أصبحنا نرى فيه كل زلزال يحدث تقريباً.
وهذه نقطة مهمة جداً عند قراءة ما يحدث الآن.
الزلزال الإندونيسي ليس دليلًا بمفرده على أن “خريطة الزلازل العالمية تغيرت”، كما أن وقوع زلازل متقاربة زمنيًا في اليابان أو تركيا أو مصر أو أمريكا الجنوبية لا يكفي لإثبات أن هذه الأحداث مرتبطة ببعضها البعض أو أنها جزء من سلسلة واحدة تتحرك حول الكرة الأرضية.
بل إن هناك مفارقة تستحق التأمل: كلما تطورت أجهزة الرصد الزلزالي، وكلما أصبح لدينا عدد أكبر من أجهزة الاستشعار وشبكات الإنذار المبكر ، أصبحنا أكثر قدرة على اكتشاف الهزات الصغيرة والمتوسطة ، وبالتالي أصبحت خريطة النشاط الزلزالي التي نراها أكثر امتلاءً بالأحداث.
لكن هذا لا يعني أن القلق غير مبرر.
القلق الحقيقي يجب أن يتجه إلى شيء آخر : جاهزية الدول، وجودة المباني، وسرعة الإنقاذ، وكفاءة أنظمة التحذير المبكر، ووعي السكان بكيفية التصرف أثناء الزلازل والتسونامي.
إندونيسيا تحديداً تعرف جيداً معنى أن تعيش فوق واحدة من أكثر المناطق نشاطًا زلزالياً على الأرض. موقعها ضمن نطاق “حلقة النار” في المحيط الهادئ يجعلها معرضة باستمرار للزلازل والبراكين والتسونامي. والتاريخ الإندونيسي نفسه يحمل ذكريات قاسية، من بينها زلزال وتسونامي المحيط الهندي عام 2004، وهو ما يجعل أي زلزال بحري قوي في المنطقة محل مراقبة شديدة.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس : هل ستحدث زلازل أخرى؟
الإجابة ببساطة : نعم ، ستحدث.
السؤال الحقيقي هو: أين ستحدث؟ وما قوتها؟ وهل ستكون قريبة من مناطق مأهولة؟ وهل المباني قادرة على تحملها؟ وهل أنظمة الإنذار والإخلاء جاهزة؟ وهل لدى السكان الوعي الكافي للتصرف في الدقائق الأولى؟
لأن الزلزال في حد ذاته ظاهرة جيولوجية، لكن حجم الكارثة هو في كثير من الأحيان نتيجة تفاعل الزلزال مع الإنسان والعمران والبنية التحتية.
ولهذا فإن الحديث عن “نهاية العالم” أو “حزام ناري يلتف حول الكوكب” لا يساعدنا في فهم الحقيقة ، بل ربما يبعدنا عنها.
المطلوب هو أن نقرأ الحدث بعين هادئة، وأن نفرق بين ما هو مؤكد وما هو محتمل ، وبين التحذير الاحترازي والكارثة الفعلية ، وبين الارتدادات الطبيعية للزلزال وبين الادعاء بوجود سلسلة عالمية من الزلازل.
وفي النهاية ، هناك حقيقة إنسانية لا تحتاج إلى أي تحليل جيولوجي: عشرات الأسر في إندونيسيا اليوم لا تفكر في خرائط الصفائح التكتونية ولا في نظريات الأرض، وإنما تبحث عن أب أو أم أو طفل أو قريب تحت الأنقاض.
وهنا يصبح واجبنا أن نتابع الحدث بمسؤولية، وأن ننقل المعلومات المؤكدة دون تهويل ، وأن نتذكر أن الكارثة بالنسبة لأهلها ليست مادة للترند ، وإنما حياة كاملة يمكن أن تتغير في ثوانٍ.
زلزال إندونيسيا اليوم حادثة خطيرة بالفعل، ويجب متابعتها بدقة، لكن لا ينبغي أن نحولها إلى قصة عن نهاية العالم.
العلم لا يقول لنا إن الأرض أصبحت فجأة غير مستقرة، لكنه يقول لنا شيئاً أكثر أهمية : الأرض كانت وستظل كوكباً حياً ومتحركاً، والزلازل جزء من طبيعته ، وما نستطيع فعله هو أن نكون أكثر استعدادًا، وأكثر وعياً ، وأكثر قدرة على حماية الإنسان عندما تتحرك الأرض تحت أقدامنا.



