مقالات

ما الذي جرى في أبوظبي؟ وهل كان لقاء نتنياهو وبن زايد مجرد لقاء لتطوير العلاقات الثنائية؟

بقلم : يوحنا عزمي

هناك لحظات في السياسة لا يكفي فيها أن ننظر إلى الصورة الرسمية التي تعلنها البيانات الحكومية، لأن ما يقال في البيانات غالباً يمثل الجزء المعلن فقط ، بينما قد تكون هناك ملفات أخرى يجري بحثها بعيداً عن الأضواء.

ومن هنا تأتي أهمية التوقف أمام زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي ، ولقائه بالرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد ، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية ، تتقاطع فيه ملفات إيران ، والحوثيين ، وأمن الخليج ، والحرب في المنطقة، إلى جانب التطورات المتسارعة في القرن الأفريقي.

البيان الرسمي تحدث عن بحث العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، وهي صيغة دبلوماسية معتادة، لكن أهمية الزيارة لا تتعلق فقط بما ورد في البيان، وإنما أيضاً بالتوقيت ، وتركيبة الوفد الإسرائيلي، والملفات الإقليمية التي تحيط بالمنطقة في هذه اللحظة.

وبحسب ما أوردته القناة 14 الإسرائيلية، لم يكن نتنياهو بمفرده خلال الزيارة ، بل رافقته زوجته سارة ، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والاستراتيجيين الإسرائيليين ، ومن بينهم رئيس جهاز الموساد دافيد برنياع ، ورئيس مجلس الأمن القومي، والسكرتير العسكري ، ومسؤول أمني رفيع في جهاز الشاباك.

وهنا تحديداً يصبح من المشروع طرح الأسئلة.

إذا كانت الزيارة مجرد لقاء سياسي تقليدي لبحث العلاقات الثنائية، فما دلالة وجود هذا المستوى من القيادات الأمنية والاستخباراتية؟

هل يتعلق الأمر بملفات أمنية إقليمية؟

هل توجد مناقشات مرتبطة بإيران أو الحوثيين؟

هل للزيارة علاقة بتطورات أوسع في المنطقة؟

أم أن هناك ترتيبات سياسية وأمنية أخرى لم يتم الإعلان عنها؟

حتى الآن، لا توجد معلومات علنية كافية تسمح بالجزم بإجابة واحدة، ولذلك فإن التعامل مع هذه الاحتمالات باعتبارها حقائق نهائية سيكون غير دقيق. لكن وجود هذا العدد من المسؤولين الأمنيين يجعل الزيارة جديرة بالمتابعة والتحليل، وليس مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة.

واللافت أيضاً أن الحديث عن أبوظبي يأتي بالتزامن مع تقارير وتداولات حول وصول شخصيات وطائرات مرتبطة بعدد من الأطراف الإقليمية إلى الإمارات.

وقد جرى الاستناد في بعض هذه الادعاءات إلى بيانات حركة الطيران المتاحة عبر منصات تتبع الرحلات، مع الإشارة إلى طائرات مرتبطة بجهات من ليبيا والمغرب وقطر ، إلى جانب طائرة إسرائيلية مرتبطة برحلة نتنياهو.

لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة للغاية:

رصد طائرة في مطار معين لا يعني تلقائياً معرفة هوية الشخص الموجود على متنها ، ولا يعني معرفة طبيعة الاجتماع الذي قد يكون قد عقده ، ولا يثبت وجود تنسيق سياسي أو أمني بين الأطراف المعنية.

وهذه نقطة أساسية في العمل الصحفي ، فبيانات الطيران يمكن  أن تقدم قرينة أو خيطاً للتحقيق، لكنها تحتاج إلى مصادر إضافية حتى تتحول إلى معلومة مؤكدة.

ومع ذلك، فإن تزامن هذه التحركات ـ إذا تأكدت تفاصيلها من مصادر مستقلة ـ يستحق البحث، خصوصاً في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

لكن القصة الأوسع لا تتوقف عند أبوظبي.

في التوقيت نفسه تقريباً ، برز موقف إماراتي داعم لبقاء وحدة الدولة الإثيوبية ولحكومة آبي أحمد، مع التأكيد على رفض تغيير السلطة عبر العمل المسلح.

وهنا يدخل ملف أكثر حساسية بالنسبة إلى مصر، وهو سد النهضة والعلاقات المصرية ـ الإثيوبية وأمن مياه النيل.

فمصر تنظر إلى قضية مياه النيل باعتبارها قضية أمن قومي، وبالتالي فإن أي تحولات في مواقف القوى الإقليمية تجاه الحكومة الإثيوبية أو الصراع الداخلي في إثيوبيا لا يمكن فصلها تمامًا عن حسابات القاهرة في منطقة القرن الأفريقي.

لكن في المقابل، فإن تفسير المواقف الإماراتية أو القطرية باعتبارها موجهة حصرياً ضد المصالح المصرية يحتاج إلى أدلة مباشرة، لأن العلاقات الإقليمية لا تتحرك عادة وفق عامل واحد.

الإمارات لديها مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية في القرن الأفريقي ، وإثيوبيا تمثل دولة محورية في هذه المنطقة، كما أن قطر لديها بدورها حساباتها وعلاقاتها الإقليمية الخاصة.

ومن هنا يمكن فهم المشهد بصورة أوسع:

القضية ليست بالضرورة أن دولة ما “تحب” طرفاً أو “تكره” طرفاً آخر ، وإنما أن كل دولة تتحرك وفق شبكة معقدة من المصالح والتحالفات وحسابات الأمن والنفوذ.

وهذا تحديداً ما يجعل المشهد الحالي شديد الحساسية.

فإسرائيل تسعى إلى بناء وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية، وبعض الدول العربية لديها علاقات رسمية وأمنية واقتصادية متنامية معها ، وفي المقابل هناك ملفات عربية أساسية ما زالت موضع خلاف عميق مع إسرائيل، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه، تتداخل هذه العلاقات مع ملفات إيران والحوثيين وأمن الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بحيث أصبح من الصعب قراءة أي تحرك إقليمي بمعزل عن بقية الملفات.

أما بالنسبة إلى مصر ، فإن التطورات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وإثيوبيا والسودان ليست ملفات بعيدة عن أمنها القومي، بل ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالحها الاستراتيجية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:

ماذا حدث في أبوظبي؟

بل:

ما طبيعة التفاهمات التي يجري بناؤها في المنطقة؟ ومن يتحرك مع من؟ وما الملفات التي أصبحت محل تنسيق بين هذه الأطراف؟

هذه الأسئلة أهم من إطلاق الاتهامات أو تقديم سيناريو واحد باعتباره الحقيقة الكاملة.

فالسياسة الدولية لا تقوم على الصداقة الدائمة ولا العداء الدائم، وإنما على المصالح المتغيرة والتحالفات المؤقتة ، والدول التي تدخل في ترتيبات إقليمية واسعة تدرك في النهاية أن لكل اصطفاف ثمناً ، وأن لكل قرار تداعيات قد تظهر بعد سنوات وليس بالضرورة في لحظته.

ولهذا فإن المنطقة اليوم أمام مرحلة تحتاج إلى قدر كبير من اليقظة السياسية ، لأن ما يجري في الخليج لا يمكن فصله عن البحر الأحمر ، وما يحدث في البحر الأحمر لا يمكن فصله عن القرن الأفريقي ، وما يحدث في إثيوبيا لا يمكن فصله عن ملف مياه النيل ، كما أن كل ذلك يتقاطع بصورة أو بأخرى مع الحرب الإسرائيلية على غزة، وإيران، والحوثيين، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.

وفي النهاية، فإن التاريخ السياسي لا يتوقف عند البيانات الرسمية وحدها، بل يسجل المواقف والقرارات والاصطفافات، ثم يكشف مع مرور الوقت نتائجها الحقيقية.

ولهذا، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى جميع الأطراف ليس فقط: ماذا نكسب اليوم؟

وإنما أيضاً :

ماذا يمكن أن نخسر غداً؟

فالتحالفات تتغير، والمصالح تتبدل، واللاعبون الإقليميون والدوليون يعيدون حساباتهم باستمرار، وما يبدو اليوم مكسباً استراتيجياً قد يتحول غداً إلى عبء سياسي إذا تغيرت موازين القوى.

وفي عالم السياسة، لا أحد يستطيع أن يضمن إلى الأبد أن الحليف سيبقى حليفاً ، أو أن المصالح ستظل متطابقة.

والتاريخ في النهاية لا ينسى المواقف.

فكل قرار له ثمن، وكل اصطفاف له تداعيات، وكل دولة ستدفع في النهاية تكلفة الخيارات التي اتخذتها وفقاً لما ستؤول إليه الأحداث.

والأيام وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت تحركات المنطقة الحالية مجرد ترتيبات مؤقتة ، أم أنها مقدمات لإعادة تشكيل واسعة لخريطة التحالفات والنفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى