ابداعات

” خمس تفاحات”

 

لجين سامح

 

 

 

قبل أن أحصل على خمس تفاحات كهدية عيد ميلاد:

 

كان الجو غائمًا، والمطر على وشك أن يتساقط، الأرض لا تكاد تحملني من ثقلي عليها، فقدت كل شيء دفعة واحدة..

فقدت أبي وأمي في حادث سيارة، ورهن البيت لقاء ديوننا، و تم إقالتي من العمل أمس

في أسبوع واحد..

في ليلة واحدة..

في لحظة فحسب، أصبح كل ما أملكه عقلي والثياب التي علي، ما الذي تفعله فتاة مثلي في هذا العالم؟ كيف أنجو؟ ما الذي سيحدث تاليًا؟ 

كانت الأفكار تتموج داخلي، تكاد تفقدني عقلي- الشيء الوحيد الذي أملكه الآن-، جلست تحت شجرة بعد أن أنهكني السير، وجدت في جيب سترتي بضعة أموال، جال بخاطري كوب قهوة ..

ربما أحتاج لكل مال لدي.. ربما ليست لدي رفاهية لأنفق مالًا على قهوة، بينما أبحث عن بيت..

لكن الرائحة التي كانت تفوح من المقهى على بعض خطوات مني كان لها رأي آخر.

 

وفي بضع دقائق كنت جالسة في الداخل أحتسي القهوة بينما المطر يتساقط في الخارج، والناس تمر من أمامي، كل في عالمه.. وأنا أيضًا في عالمي.. أبحث عن طريقة للنجاة.

مر بجانبي رجل على مشارف الستين، بملابس شبابية.. سترة جلدية، ورائحة عطر قوية، جلس على المقعد جواري، أخرج دفترًا وأقلامًا وبدأ في الرسم.

اختلس فضولي النظر نحوه، لكنه لم يحرك ساكنًا، كان مهندمًا بطريقة لا تليق بعمره، هادئًا راقيًا.. 

ليس مثلي – طائشة بفضول يتسع ما بين مقعدينا-، من جديد فقدت اهتمامي به وعدت نحو أفكاري.

 

لم أشعر بالوقت وهو يمر إلا أن همهمة الرجل خلفي أيقظتني من سبات أفكاري، لم ينطق كلمة واحدة، وضع ورقة على الطاولة وغادر، لم يلتفت لندائي المتكرر.. مضى في طريقه إلى الخارج بينما عيوني مثبتة على الورقة أمامي..

كنت أنا..

وطبق فاكهة فيه خمسة تفاحات وتفاحة فاسدة جوار الطبق، رسمًا سريعًا للمقهى، من حولي، وجملة واحدة في ظهر الورقة

قد نظن أن التفاحة التي خرجت من حياتنا هي طوق نجاة، لكن ماذا يفعل المرء بتفاحة فاسدة في طبقه؟ – 

لم أفهم في بداية الأمر ما علاقة الخمس تفاحات، ما علاقة الطبق، وما علاقتي أنا بكل ذلك الهراء! لم أتواجد في رسم رجل غريب من الأساس!

أخرجني رنين هاتفي من شرودي، على الجانب الآخر من الهاتف :” هل أنت بخير؟”

“من؟”

” أنا صديق قديم لوالدك.. سمعت أن منزلكم احترق..”

“احترق؟”

“حمدًا لله إنك بخير…”

أنهيت المكالمة وأنا في حالة صدمة، أي بيت؟ أي حريق؟ نظرت لحقيبتي التي تحمل كل ما أملكه، والبلاهة على وجهي

وسمعت هذه المرة صوت تلفاز المقهى من خلفي :” احتراق مجمع سكني نجم عنه عشر إصابات وحالة وفاة، تضرر جزء منه بينما احترق الجزء الآخر تمامًا، ما زال التحقيق جاريًا بشأن سبب ال..”

وفي تلك اللحظة فهمت ما الذي تعنيه التفاحة الفاسدة، فهمت.. أن لا شيء كما يبدو عليه، أن خسارتي ما هي إلا نجاة من منظور آخر، أنني لست سوى إنسان جاهل لا يعلم شيئًا عن تصاريف الأمور.

 

كانت الليلة عيد ميلادي، لكن بدلًا عن خمس تفاحات كهدية كان بإمكاني أن أصير جثة محترقة. صدر صوت من الطاولة خلفي، كانت فتاة، في مثل عمري أو يزيد، ورجل يرتدي بزة رسمية، تنصت دون قصد مني.. 

” لقد أخبرتك سابقًا لن أستطيع الاستمرار في العمل، لقد حجزت رحلتي بالفعل! هذا أمر مفروغ منه…”

“لكن.. نحتاجك الآن، فقط هذا الشهر..”

“لا .. لقد انتهى الأمر، لا أريد حتى مالي”

همت الفتاة بالرحيل لكن صوت الرجل أوقفها :”هناك شرط جزائي أنسيت؟ لا يمكنك دفعه !”

“سأجد شخصًا آخر يحل مكاني في حلول الغد..”

وفي طريقها إلى الخارج لحقت بها، ” أرجوك.. أرجوك توقفي”، التفتت على إثر صوتي، ” ماذا هناك هل أنت بخير؟”

” نعم.. لقد سمعت دون قصد مني محادثتك مع الرجل خلفي، كنت أريد أن أعلم ما العمل”

رغم البلاهة التي علت محياها من الموقف إلا أنها أجابت :” مديرة أعمال رسام.. هل لديك خبرة؟”

ولحسن حظي كنت أنا الشخص المناسب تمامًا للعمل، وفي اليوم التالي كنت في المكتب مع حقيبتي – نظرًا لأنني حجزت في فندق رخيص لقاء ليلة واحدة-، وحين دخلت للقاء صاحب العمل..

وجدته هو..

ذلك الرجل صاحب الخمس تفاحات، ألقى نظرة علي وابتسم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى