هل بدأت حرب الحوثيين المفتوحة؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
يبدو أن المشهد في جنوب السعودية دخل مرحلة شديدة الخطورة ، مع تفعيل صفارات الإنذار وسقوط صواريخ ومسيرات في مناطق مثل نجران وجازان وأبها وخميس مشيط. والأخطر من حجم الهجمات نفسها هو السياق الذي جاءت فيه، لأن ما يحدث لم يعد مجرد جولة عابرة من جولات القصف المتبادل بين الحوثيين والسعودية، وإنما يبدو أقرب إلى انتقال الصراع اليمني إلى مستوى أكثر مباشرة وخطورة.
ولكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه النقطة ، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء.
التصعيد الحالي يأتي بعد أشهر طويلة من حالة الكر والفر داخل اليمن، لكن التطورات الأخيرة حملت مؤشرات مختلفة. فالقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ، والمدعومة سياسياً وعسكرياً من السعودية ، تحركت على عدد من الجبهات في محاولة لاستعادة مواقع ومناطق من قبضة الحوثيين، في ظل حديث عن عمليات امتدت من الجوف والبيضاء إلى تعز ومناطق أخرى.
وهنا يجب تسجيل نقطة مهمة حتى لا نقرأ المشهد من زاوية واحدة فقط؛ فهناك رواية أخرى داخل اليمن تقول إن الحوثيين هم من بدأوا الهجوم في بعض مناطق تعز وتمكنوا من السيطرة على مواقع، قبل أن تتحرك القوات الحكومية في محاولة للرد واستعادة ما فقدته. وبالتالي فإن الصورة الأكثر دقة هي أن التصعيد الحالي لم يبدأ من فراغ ، وإنما جاء نتيجة سلسلة من العمليات والعمليات المضادة على الأرض.
لكن اللحظة الفاصلة كانت عندما بدأ اسم السعودية يدخل بصورة مباشرة في المشهد.
الحوثيون اتهموا الرياض بتقديم دعم جوي واسع للقوات الحكومية وتنفيذ غارات على مواقع تابعة لهم، وتحدثوا عن عشرات الغارات خلال فترة قصيرة، من بينها غارة قالوا إنها أصابت منشأة احتجاز في مدينة الحزم بمحافظة الجوف، وأسفرت عن سقوط قتلى ومصابين.
وبغض النظر عن دقة كل رقم من الأرقام التي يعلنها طرفا الصراع، فإن المؤشر الأهم هنا ليس الرقم في حد ذاته ، وإنما طبيعة الرد الذي جاء بعد ذلك.
فخلال ساعات، انتقل الحوثيون من بيانات التهديد إلى الفعل العسكري، وأطلقوا موجة من الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه جنوب المملكة ، في هجوم شمل أكثر من منطقة في وقت واحد ، من بينها أبها وخميس مشيط وجازان ونجران.
وهنا تغيرت قواعد اللعبة.
لأن استهداف العمق السعودي ، إذا اتسع نطاقه واستمر بهذا الشكل، يعني أن المواجهة لم تعد محصورة داخل الأراضي اليمنية ، وإنما بدأت تفرض نفسها على الأمن الداخلي السعودي والمنشآت الاقتصادية والعسكرية في المملكة.
والأكثر حساسية هو ما يتعلق بالمنشآت النفطية.
فأي استهداف لمنشآت الطاقة السعودية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد حادث عسكري عابر، لأن قطاع الطاقة يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد السعودي، وأي تهديد مباشر للبنية التحتية النفطية لا تكون تداعياته محلية فقط، وإنما يمكن أن تمتد إلى أسواق النفط والطاقة عالمياً.
كما أن الحديث عن استهداف منشآت ومرافق عسكرية ، إذا تأكدت تفاصيله بصورة مستقلة، يفتح باباً أخطر بكثير ؛ لأنه يعني أن قدرة الهجمات الحوثية لم تعد تستهدف أهدافاً حدودية أو مدنية متفرقة فحسب ، وإنما تحاول الوصول إلى نقاط ذات قيمة عسكرية واستراتيجية.
وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً : الصور المتداولة ومقاطع الفيديو وحدها لا تكفي دائماً لإثبات حجم الأضرار أو تحديد مصدرها، ولذلك من الضروري التفريق بين ما أعلنته الأطراف المتحاربة ، وما تم التحقق منه عبر مصادر مستقلة، وما يزال في دائرة الادعاءات.
لكن حتى مع وضع هذه التحفظات جانباً ، فإن مجرد وصول الصواريخ والمسيّرات إلى عدة مناطق سعودية في موجة واحدة، وسقوط إصابات وأضرار، يكشف أن مستوى المخاطر ارتفع بصورة واضحة.
والسؤال الآن ليس فقط : من بدأ الجولة الأخيرة؟
السؤال الأهم هو : إلى أين يمكن أن تصل؟
لأن أخطر ما في هذا النوع من التصعيد أن كل طرف يستطيع تقديم ضربته باعتبارها “رداً” على ضربة سابقة. السعودية تقول إن تحركها يأتي في إطار دعم الحكومة اليمنية ومواجهة التهديد الحوثي ، والحوثيون يقولون إن هجماتهم رد على الغارات السعودية. وهكذا ندخل في دائرة تصعيد يمكن أن يصبح فيها “الرد” سببًا لجولة جديدة من التصعيد ، ثم يتحول الرد على الرد إلى حرب مفتوحة يصعب على أي طرف التحكم في مسارها.
وهذه هي النقطة التي تجعل المشهد مختلفاً.
فنحن لا نتحدث فقط عن اليمن، ولا عن الحوثيين والسعودية باعتبارهما طرفين منفصلين في نزاع محلي ؛ نحن نتحدث عن منطقة تتقاطع فيها المصالح السعودية والإيرانية والأمريكية ، وعن واحدة من أهم مناطق الطاقة والممرات البحرية في العالم.
ولهذا فإن أي توسع كبير في المواجهة قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود السعودية واليمن بكثير.
وهنا تظهر علامة استفهام أخرى تستحق النقاش : ماذا عن منظومة التحالفات والاتفاقيات الأمنية التي يفترض أن تمنح الدول الأطراف فيها قدراً من الدعم السياسي والعسكري عندما تتعرض لتهديدات كبيرة؟
أين تقف الدول التي تربطها بالسعودية علاقات دفاعية واستراتيجية؟ وهل ستبقى هذه العلاقات في إطار البيانات السياسية والتضامن الدبلوماسي، أم يمكن أن تتحول، إذا اتسع الصراع ، إلى ترتيبات عملية على الأرض؟
وبالذات، فإن الحديث عن باكستان وتركيا يفرض نفسه في هذا السياق، ليس بالضرورة لأن التدخل العسكري المباشر أمر حتمي أو وشيك، وإنما لأن أي توسع للحرب سيضع شبكة التحالفات الإقليمية أمام اختبار حقيقي.
فالاتفاقيات الدفاعية لا تظهر قيمتها عندما تكون المنطقة هادئة ، قيمتها الحقيقية تظهر عندما تبدأ الصواريخ في التحليق وتصبح القرارات السياسية أكثر صعوبة وكلفة.
وفي رأيي ، فإن أخطر ما يحدث الآن هو أن المنطقة تتعامل مع كل جولة باعتبارها جولة منفصلة، بينما قد تكون الجولات المتتالية جزءاً من مسار أكبر.
تصعيد داخل اليمن ، ثم تدخل سعودي ، ثم رد حوثي على الأراضي السعودية، ثم رد سعودي جديد ، ثم دخول أطراف إقليمية بصورة أكبر .. وهكذا يمكن أن يتحول الصراع تدريجياً من حرب يمنية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
ولهذا فإن التقليل من أهمية ما يحدث أو التعامل معه باعتباره مجرد “هجوم حوثي جديد” قد يكون قراءة ناقصة جداً للمشهد.
المشكلة ليست في صاروخ هنا أو مسيرة هناك.
المشكلة في المسار.
والمسار الحالي يقول إن قواعد الاشتباك تتحرك، وإن هامش الخطأ أصبح أضيق بكثير من السابق.
والساعات والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التصعيد سيتوقف عند حدود جولة جديدة من الضربات والردود ، أم أننا أمام بداية مرحلة أكثر اتساعاً وخطورة في الحرب اليمنية ، قد تمتد تداعياتها إلى أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية بأكملها.
أما السؤال الأهم ، فهو : هل لا تزال الأطراف قادرة على احتواء التصعيد؟ أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة أصبح فيها كل رد جديد مقدمة لرد أخطر منه؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نراقب إجابته خلال الأيام المقبلة.



