الشرق الأوسط أمام مفترق تاريخي.. إما وحدة تُنهي جذور الصراع أو استنزاف يقود الجميع إلى المجهول

✍️ يوحنا عزمي
المشهد الذي تعيشه المنطقة اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد سلسلة متفرقة من الحروب والأزمات والاشتباكات التي تدور كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى ، لأن الصورة الأوسع تبدو أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فاستمرار الصراعات في أكثر من ساحة، وتداخل الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والطائفية، يجعل المنطقة أمام اختبار تاريخي حقيقي يتعلق بمستقبل أمنها واستقرارها وقدرتها على حماية مقدراتها وثرواتها وقرارها السياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطر لا يقتصر على دولة بعينها أو طرف واحد دون غيره، بل إن استمرار حالة الاستنزاف المفتوحة يمكن أن يدفع دول المنطقة، على اختلاف مواقفها وتحالفاتها، إلى دفع أثمان متزايدة من أمنها واقتصادها واستقرارها الاجتماعي.
إيران والخليج واليمن والعراق وسوريا وتركيا والأردن ومصر وغيرها من دول الإقليم، كلها معنية بدرجات مختلفة بمآلات هذا المشهد ، لأن استمرار الصراع في دولة واحدة لا يبقى بالضرورة داخل حدودها ، وإنما تنتقل تداعياته عبر الحدود في صورة تهديدات أمنية، وأزمات اقتصادية، وضغوط سياسية، وتوترات مذهبية وطائفية ، واضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة والممرات البحرية.
ولهذا فإن التعامل مع كل أزمة باعتبارها أزمة منفصلة قد يؤدي في النهاية إلى فقدان القدرة على رؤية الصورة الكاملة. فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار هنا أو تهدئة هناك، وإنما تحتاج إلى معالجة أعمق لجذور الصراع نفسه. فالفرق كبير بين إنهاء حرب وإنهاء صراع، الحرب قد تتوقف باتفاق سياسي أو هدنة، لكن الصراع يمكن أن يبقى قائماً بكل أسبابه وتناقضاته ، لينتظر لحظة أخرى ويعود بصورة أكثر عنفاً.
ومن هنا جاءت فكرة “مبادرة الوحدة وإنهاء الصراع”، باعتبارها رؤية تطرح الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى محاولة بناء منظومة تعاون إقليمية جديدة، تقوم على مشاركة الدول الإسلامية جميعها بصورة طوعية ، وتستند إلى مبدأ أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة إذا ظل كل طرف ينظر إلى أمنه بمعزل عن أمن الآخرين.
الفكرة الأساسية هنا ليست إلغاء خصوصية الدول أو فرض نموذج سياسي واحد عليها، وإنما البحث عن إطار جديد للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، يسمح بتحويل المنطقة من ساحة مفتوحة للتنافس والصدام إلى مساحة قادرة على إدارة خلافاتها من خلال مؤسسات وآليات مشتركة. وهذه الفكرة، في جوهرها، تستند إلى تجربة تاريخية أوسع ، فالقارة الأوروبية، بعد قرون من الحروب والصراعات ، اتجهت في نهاية المطاف إلى بناء أطر للتعاون والتكامل، وصولًا إلى منظومة أوروبية جعلت الحرب بين أعضائها أقل قابلية للتصور مما كانت عليه في السابق.
ولا يعني ذلك أن التجربة الأوروبية يمكن نقلها حرفياً إلى الشرق الأوسط أو العالم الإسلامي، فلكل منطقة ظروفها وتركيبتها التاريخية والثقافية والسياسية. لكن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه منها هو أن الصراعات الممتدة لا تُعالج دائماً بموازين القوى وحدها ، وإنما تحتاج في مراحل معينة إلى بناء مصالح مشتركة تجعل استمرار الصراع أكثر كلفة من التعاون.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التمييز بين “وقف الحرب” و”إنهاء الصراع”. فإذا توقفت العمليات العسكرية بينما بقيت أسباب العداء وانعدام الثقة والاستقطاب المذهبي والتنافس الجيوسياسي دون معالجة ، فإن المنطقة قد تكون أمام هدنة مؤقتة لا أكثر، وليس أمام تسوية تاريخية. ولذلك فإن أي مشروع حقيقي للسلام يحتاج إلى معالجة الطبقات السياسية والأمنية والاقتصادية والمجتمعية والمذهبية التي تراكمت على مدار عقود.
وإذا كان الهدف هو الوصول إلى مصالحة إقليمية حقيقية، فإن احترام الاختلافات المذهبية والطائفية لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام التعاون ، بل يجب أن يتحول إلى قاعدة له. فليس المطلوب أن يصبح الجميع متشابهين ، وإنما أن يصبح الاختلاف قابلًا للإدارة دون أن يتحول إلى وقود للحروب. وبذلك يصبح الدم الإيراني والخليجي واليمني والعراقي والسوري والمصري، وغيرها من دماء شعوب المنطقة ، ذا القيمة الإنسانية نفسها ، بعيداً عن الحسابات السياسية والطائفية.
لكن طرح المبادرات وحده لا يكفي. فالرسائل العامة والمواقف غير المحددة قد تفتح الباب للتأويلات المختلفة، لكنها لا تصنع بالضرورة مساراً سياسياً قابلًا للتنفيذ. ولذلك فإن أي حديث عن وحدة أو تعاون إقليمي يحتاج إلى ترجمة عملية واضحة، تبدأ بإعلان المواقف بصورة صريحة، ثم الانتقال إلى طاولة تفاوض تضم الأطراف المعنية ، وصولًا إلى صياغة آليات ومؤسسات وضمانات يمكن اختبارها على أرض الواقع.
ومن هذا المنطلق يمكن أن يكون “مؤتمر الوحدة وإنهاء الصراع” خطوة أولى لمناقشة شكل منظومة التعاون الجديدة، وتحديد أهدافها وآليات عملها، وكيفية إدارة الخلافات بين أعضائها، ثم الانتقال تدريجيًا إلى ملفات أكثر تعقيداً ، من الأمن الإقليمي إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة والممرات البحرية، وصولًا إلى الملفات السياسية والمجتمعية التي تمثل جذوراً تاريخية للصراعات.
المسألة في النهاية ليست معركة بين إيران والخليج، ولا بين طرف عربي وطرف إيراني، ولا بين محور وآخر. اختزال المشهد بهذه الطريقة قد يجعل الجميع أسرى للمنطق نفسه الذي أبقى المنطقة لعقود داخل دائرة الصراع. السؤال الأهم هو : هل تستطيع دول المنطقة الانتقال من منطق “كيف أهزم خصمي؟” إلى منطق “كيف أمنع الجميع من خسارة المستقبل؟”.
فالاستنزاف الطويل لا يملك بالضرورة منتصراً دائماً. قد يخسر طرف جزءًا من قدراته، وقد يتعرض طرف آخر لضربة عسكرية، وقد تتغير التحالفات ، وقد تتبدل خرائط النفوذ، لكن استمرار الصراع يعني في النهاية استنزاف الموارد والثروات والطاقات البشرية ، وإضعاف قدرة دول المنطقة على بناء مستقبلها بعيداً عن التدخلات والصراعات المفتوحة.
ولهذا فإن الرسالة الموجهة إلى جميع الأطراف يجب ألا تكون رسالة انتصار طرف على آخر، وإنما دعوة إلى التفكير في النهاية التي تريدها شعوب المنطقة لنفسها. فإما أن تتحول الأزمات المتراكمة إلى دافع لبناء منظومة تعاون جديدة، وإما أن يستمر منطق الصراع والاستنزاف، بحيث يصبح كل طرف جزءًا من أزمة أكبر من قدرته على التحكم فيها.
إن المنطقة أمام لحظة تاريخية لا تحتمل الكثير من العشوائية. والبديل الحقيقي عن استمرار الصدام ليس الاستسلام ولا التخلي عن المصالح الوطنية ، وإنما بناء آليات تجعل حماية المصالح الوطنية ممكنة من خلال التعاون الإقليمي بدلًا من الصدام الدائم.
وفي النهاية، لا أحد يستطيع أن يضمن مسبقاً شكل المستقبل، ولا يمكن اختزال كل أزمات الشرق الأوسط في تفسير واحد أو اعتبار جميع التطورات نتيجة لخطة واحدة. لكن المؤكد أن استمرار الحروب والانقسامات يفرض تكاليف هائلة على جميع المجتمعات، وأن البحث عن إطار سياسي وأمني جديد للتعاون أصبح قضية تستحق النقاش الجاد ، بعيداً عن الشعارات والانفعالات.
لقد حان الوقت، ربما أكثر من أي وقت مضى، لأن تنتقل المنطقة من سؤال: من سينتصر في الجولة المقبلة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن إنهاء دوامة الجولات نفسها؟
فالتاريخ لا يحاسب الشعوب فقط على الحروب التي خاضتها، وإنما أيضًا على الفرص التي أضاعتها لإنهاء الحروب وبناء السلام. وإذا كانت هناك فرصة لبناء مستقبل مختلف، فإن امتلاك الإرادة السياسية لتحويل هذه الفرصة إلى مشروع عملي هو الاختبار الحقيقي أمام جميع الأطراف.



