إثيوبيا تدخل مرحلة شديدة الحساسية .. والقاهرة ترفع سقف خطابها بشأن سد النهضة

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
إذا أردنا فهم ما يجري في إثيوبيا الآن ، فعلينا ألا نتعامل مع الخبر باعتباره مجرد إعلان جديد لتحالف بين سبع جماعات معارضة ومسلحة ، لأن أهمية التطور تتجاوز مجرد عدد الفصائل المشاركة فيه. نحن أمام محاولة لإعادة تجميع قوى متفرقة جغرافياً وسياسياً وعسكرياً تحت مظلة واحدة، وفي مواجهة خصم واحد هو حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
في 20 سبتمبر الجاري ، أعلنت سبع قوى إثيوبية تشكيل ما أُطلق عليه “تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء”، ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيجراي، وحركة فانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب أربع قوى أخرى من مناطق مختلفة، بينها أوغادين وعفار وبني شنقول- غوموز. وأعلن قادة التحالف أن هدفهم هو إزالة الحكومة الفيدرالية والعمل باتجاه تشكيل حكومة انتقالية شاملة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة التطور.
لأننا لا نتحدث عن تنظيم واحد يعمل في إقليم واحد، وإنما عن قوى لها امتدادات في مناطق متعددة من الدولة الإثيوبية، وبعضها خاض مواجهات عسكرية مباشرة مع الحكومة خلال السنوات الماضية. والأكثر دلالة أن بعض هذه القوى كانت في مراحل سابقة على طرفي نقيض من الصراع.
جبهة تيجراي وحركة فانو في أمهرة، على سبيل المثال، كانتا جزءًا من معسكرين متصارعين خلال حرب تيجراي بين عامي 2020 و2022، قبل أن يجد الطرفان نفسيهما اليوم داخل إطار سياسي واحد ضد حكومة آبي أحمد. وهذا التحول وحده يكشف حجم التغير الذي طرأ على خريطة الصراع الإثيوبي.
لكن من المهم هنا عدم القفز إلى نتيجة مفادها أن الحكومة الإثيوبية أصبحت على وشك السقوط.
فالتحالف الجديد لا يزال يواجه مشكلة جوهرية تتمثل في اختلاف أهداف أعضائه وتباعد مناطق انتشارهم ، فضلًا عن وجود خلافات تاريخية وسياسية وإقليمية بينهم. وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل اتحدت هذه القوى؟ وإنما: إلى أي مدى تستطيع تحويل هذا الاتحاد السياسي إلى تنسيق عسكري وسياسي فعلي ومستدام؟
وهذا هو الاختبار الأصعب أمام التحالف خلال المرحلة المقبلة.
فإذا نجحت هذه القوى في تنسيق عملياتها وفرض ضغط متزامن على الحكومة في أكثر من منطقة، فإن ذلك يمكن أن يرفع تكلفة المواجهة على الجيش الإثيوبي ويضع الحكومة أمام تحديات أمنية متزامنة. أما إذا بقي التحالف مجرد إطار سياسي يجمع قوى متباينة من دون آليات فعلية للتنسيق، فقد تظل قدرته على تغيير ميزان القوى محدودة. وهذه النقطة تحديداً هي التي تحتاج إلى مراقبة دقيقة خلال الأسابيع المقبلة.
واللافت أن هذه التطورات الداخلية تأتي في لحظة حساسة للغاية بالنسبة إلى إثيوبيا، التي لا تواجه فقط ملفات الأمن الداخلي، وإنما تواجه أيضاً توترات متزايدة حول علاقتها بجيرانها وخصوصاً مصر والسودان ، إلى جانب ملف سد النهضة الذي تحول خلال السنوات الماضية من مشروع تنموي إثيوبي إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات الإقليمية.
وهنا نصل إلى القاهرة.
ففي 20 سبتمبر، خرج وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور هاني سويلم بخطاب أكثر حدة في الحديث عن سد النهضة، رافضاً التصور الإثيوبي بأن بناء السد على نهر دولي يدخل حصرياً ضمن السيادة الإثيوبية.
وقال سويلم إن السياسيين الإثيوبيين عليهم أن يفرقوا بين بناء منشأة داخل حدود الدولة وبين إقامة سد على نهر دولي مشترك، مستخدماً تعبيراً لافتاً حين قال إن بناء سد على نهر دولي ليس مثل فرش سجادة داخل المنزل.
المغزى السياسي هنا أهم من العبارة نفسها.
القاهرة تقول بوضوح إن القضية بالنسبة إليها لم تعد مجرد خلاف فني حول تشغيل سد أو توقيتات الملء ، وإنما ترتبط بقواعد التعامل مع نهر دولي تتشارك فيه عدة دول، وبضرورة وجود قواعد ملزمة تحكم التشغيل والآثار المحتملة على دول المصب.
ولهذا أكد سويلم أن مصر بذلت جهوداً للوصول إلى اتفاق، لكنه أشار إلى أن القاهرة ترى أن إثيوبيا لم تُظهر الجدية الكافية في مسار المفاوضات، كما جدد رفض مصر تشغيل السد بصورة منفردة ومن دون اتفاق ملزم.
وهنا تظهر نقطة أخرى شديدة الأهمية.
فالحديث المصري لم يعد يدور فقط حول كمية المياه، وإنما حول مبدأ إدارة الموارد المائية العابرة للحدود : هل تستطيع دولة المنبع أن تتخذ قرارات منفردة في مشروع ضخم على نهر دولي، أم أن طبيعة النهر نفسه تفرض التزامات تجاه دول المصب؟
وهذا هو جوهر الخلاف الحقيقي.
أما ملف الكهرباء الإثيوبية ، فقد أضاف خلال الأيام الماضية زاوية أخرى للنقاش.
فتقرير نشرته بلومبرج في 15 سبتمبر أشار إلى أن شركات تعدين بيتكوين في إثيوبيا استهلكت ما يقارب ثلث إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد ، وأنها مثلت نحو 35% من إيرادات شركة الكهرباء الإثيوبية خلال السنة المالية الماضية. كما ذكرت الشركة أنها خفضت إمدادات الكهرباء الموجهة لقطاع تعدين العملات المشفرة بصورة كبيرة بسبب تراجع تدفقات المياه إلى الخزانات الكهرومائية.
وهذه الأرقام تفتح نقاشاً مهماً حول كيفية توظيف الطاقة التي تنتجها إثيوبيا، لكنها في الوقت نفسه لا تكفي وحدها لإثبات أن سد النهضة أُنشئ أساساً لخدمة تعدين العملات المشفرة، كما لا تثبت أن المشروع لم يكن له هدف تنموي أو كهربائي. الربط بين الأمرين يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة.
لكن سياسياً ، تظل الصورة الأوسع واضحة:
إثيوبيا تواجه في الداخل تحديات أمنية وسياسية متراكمة، وفي الخارج خلافات إقليمية حساسة، وفي القلب من هذه الملفات يقف سد النهضة باعتباره واحداً من أكثر أوراق السياسة الخارجية الإثيوبية أهمية.
ومن هنا يمكن فهم اللهجة المصرية الجديدة باعتبارها جزءًا من انتقال الخطاب من مرحلة إدارة الخلاف عبر المفاوضات المفتوحة إلى مرحلة أكثر وضوحاً في تحديد الخطوط الحمراء المصرية.
لكن في المقابل ، لا ينبغي الخلط بين ارتفاع سقف التصريحات وبين اتخاذ قرار بالتصعيد العسكري ، فالموقف الرسمي المعلن حتى الآن يدور حول الحقوق المائية، والاتفاق الملزم، ورفض الإجراءات الأحادية التي قد تضر بدول المصب.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في المشهد الإثيوبي الحالي ليس مجرد تشكيل تحالف من سبع جماعات ، ولا مجرد ارتفاع حدة الخطاب المصري بشأن سد النهضة، وإنما تزامن المسارين في لحظة واحدة.
أزمة داخلية تتسع في إثيوبيا ، وتحالفات جديدة تتشكل بين خصوم سابقين، وصراع سياسي حول مستقبل الدولة الإثيوبية، بالتوازي مع استمرار واحدة من أعقد أزمات المياه في القارة الأفريقية.
ولهذا فإن الأسابيع المقبلة ستكون مهمة للغاية، ليس لأن سقوط حكومة آبي أحمد أصبح أمراً محسوماً ، فهذا غير ثابت، وإنما لأن قدرة الحكومة على إدارة عدة أزمات في وقت واحد ، وقدرة التحالف الجديد على تجاوز خلافاته الداخلية ، ومسار ملف سد النهضة بين القاهرة وأديس أبابا ، ستحدد جميعها شكل المرحلة المقبلة في القرن الأفريقي.
المشهد لم يُحسم بعد .. لكنه بالتأكيد دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.



